رجل بلا دوافع.. تفكيك مكامن الرعب في شخصية «الجوكر»

 هيث ليجر في شخصية الجوكر
هيث ليجر في شخصية الجوكر

ثمة لحظة في فيلم «The Dark Knight» تكشف لك كل شيء عن «الجوكر»، ولا تكشف لك شيئاً على الإطلاق، فبينما يجلس في مواجهة رجل عصابات يطالبه بمعرفة هويته يبدأ الجوكر، الذي جسده الراحل هيث ليجر، في سرد قصة ندوب وجهه؛ قصة مليئة بالتفاصيل، والدقة، والمشاعر، لكنه لاحقاً يروي لشخص آخر قصة مغايرة تماماً؛ الندوب ذاتها، لكن بجذور وأصل مختلف، وبذات القوة والإقناع.

إنه لا يكذب بالطريقة التقليدية، التي يكذب بها البشر - لحماية أنفسهم، أو لتحقيق مكاسب، أو لإخفاء حقيقة ما - بل يبدو ببساطة أنه لا يملك أي نسخة حقيقية لماضيه، أو ربما مَلكها يوماً ما، لكنه لم يعد يكترث بها.

​هذا اللغز وراء القوة الخالدة لشخصية الجوكر؛ ففي وسط فني يعج بأشرار يملكون بيانات سياسية، وصدمات نفسية، وخططاً خماسية الأبعاد، يبرز هو بوصفه الوحيد الذي يرفض الانصياع للتفسير، وهذا الرفض ليس فجوة في بناء الشخصية وتطويرها، لكنه جوهر الشخصية ذاتها وبناؤها.

لقد دربتنا القصص والروايات على تلمس الشر وتحديد مكانه في إطار «السبب والنتيجة»؛ شرير عانى في ماضيه، لذا هو يدمر الآن؛ يريد نفوذاً، لذا هو يتلاعب؛ خسر شيئاً، لذا هو ينتزع.

هذا المنطق مريح ومُرضٍ، لأنه يجعل الشر كياناً قابلاً للقراءة والتوجيه؛ فإذا فهمنا الجرح المسبب للشر بات بإمكاننا التعامل معه ومعالجته، لكن الجوكر يحرمنا من تلك الطمأنينة، فهو لا يبحث عن النفوذ، ويرفض الأموال، ولا يملك أي برنامج سياسي.

وعندما يواجهه «باتمان» في النهاية مطالباً إياه بمعرفة السبب والدوافع وراء أفعاله يبدو الجوكر يتسلى من السؤال، كما لو أن باتمان يسأله: لماذا تسحب الجاذبية الأشياء نحو الأسفل؟ وما يملكه الجوكر عوضاً عن الدوافع هو أطروحة فكرية؛ وهذا هو الفارق الذي يميز «جوكر» معقداً عن آخر يعيش الفوضى.

إنه ليس خاوياً، بل يؤمن بعقيدة محددة — ومفادها أن الحضارة مجرد عرض زائف، وأن النظام وهم مشترك يتواطأ عليه الجميع، وأن كل إنسان لا يفصله عن أن يصبح مسخاً مثله تماماً سوى المرور بيوم واحد كارثي، لذلك، هو يدير مخططاته كونه فيلسوفاً يجري تجارب مختبرية، وغوثام هي معمله الكبير.

و مشهد العبّارتين في «The Dark Knight» لم يكن عملاً إرهابياً بمفهومه التقليدي، بل كان إثباتاً عملياً لصحة نظريته.

​وقد استوعب مسلسل الرسوم المتحركة «Batman: The Animated Series» —الذي يظل أحد أروع التجسيدات لهذه الشخصية— هذا الأمر؛ حيث منح الكاتب «بول ديني» وبقية كتاب العمل الجوكر طاقة مسرحية استثنائية — متمثلة في نبرة الصوت، والضحكة، والقسوة— في الوقت الذي رفضوا فيه استعراض آلياته الداخلية.

إنه مضحك وفتّاك في آن واحد، وهي توليفة لا تمنحك تلك النهاية الحاسمة، التي يمكنك أرشفتها في عقلك لتشعر بالأمان؛ فهذا الغموض وعدم الحسم هو الغاية والهدف.

​وعلى النقيض من ذلك يقدم فيلم «Joker» الصادر عام 2019 مقارنة كاشفة؛ فهو عمل جاد ومصنوع ببراعة، والأداء التمثيلي لـ«واكين فينيكس» فيه كان استثنائياً، لكنه اتخذ خياراً جوهرياً تجنبته الأعمال السابقة: لقد فسر الشخصية ومنحها أسبابها. لقد أعطاه أماً، وحالة مرضية، وسياقاً اجتماعياً، ومساراً متكاملاً.

والنتيجة هي «جوكر» يستدر عطفك وتعاطفك، وبفعل ذلك تحديداً، يتحول -للمفارقة - كائناً أصغر حجماً وأقل هيبة؛ فالجوكر الذي يمكنك تشخيصه طبياً ونفسياً هو جوكر يمكنك النأي بنفسك عنه.

إنك تفهمه الآن، والفهم في حد ذاته شكل من أشكال السيطرة والتحكم. إن الجوكر في أقصى درجات قوته وتأثيره لا يمكن التحكم فيه، أو تصنيفه، أو الرد عليه؛ فهو يعمل بذات الطريقة التي تعمل بها فكرة مزعجة ومقلقة - لا من خلال سحقك والسيطرة عليك بقوتها المادية، بل عبر سحب البساط من تحت قدميك وخلخلة ثباتك.

تبحث عن تفسير منطقي فلا تجد شيئاً، وفي هذا الفراغ المطبق، يستقر في وجدانك شعور أكثر برودة وقسوة.

​لقد لخص «ألفرد» الأمر ببساطة، وكان الفيلم من الذكاء، بحيث ترك العبارة ترن في الآذان دون تنميق: «بعض الرجال يريدون فقط رؤية العالم يحترق»، بلا هوامش تفسيرية، وبلا قصة ماضٍ مريرة، الحقيقة أن بعض الأشياء في هذا الكون هي ببساطة على ما هي عليه، دون «لماذا».

 الجوكر في «باتمان»
الجوكر في «باتمان»

 الجوكر في لقطة من «باتمان فارس الظلام»
الجوكر في لقطة من «باتمان فارس الظلام»

 واكين فينيكس في شخصية الجوكر
واكين فينيكس في شخصية الجوكر