إنه لا يكذب بالطريقة التقليدية، التي يكذب بها البشر - لحماية أنفسهم، أو لتحقيق مكاسب، أو لإخفاء حقيقة ما - بل يبدو ببساطة أنه لا يملك أي نسخة حقيقية لماضيه، أو ربما مَلكها يوماً ما، لكنه لم يعد يكترث بها.
لقد دربتنا القصص والروايات على تلمس الشر وتحديد مكانه في إطار «السبب والنتيجة»؛ شرير عانى في ماضيه، لذا هو يدمر الآن؛ يريد نفوذاً، لذا هو يتلاعب؛ خسر شيئاً، لذا هو ينتزع.
هذا المنطق مريح ومُرضٍ، لأنه يجعل الشر كياناً قابلاً للقراءة والتوجيه؛ فإذا فهمنا الجرح المسبب للشر بات بإمكاننا التعامل معه ومعالجته، لكن الجوكر يحرمنا من تلك الطمأنينة، فهو لا يبحث عن النفوذ، ويرفض الأموال، ولا يملك أي برنامج سياسي.
وعندما يواجهه «باتمان» في النهاية مطالباً إياه بمعرفة السبب والدوافع وراء أفعاله يبدو الجوكر يتسلى من السؤال، كما لو أن باتمان يسأله: لماذا تسحب الجاذبية الأشياء نحو الأسفل؟ وما يملكه الجوكر عوضاً عن الدوافع هو أطروحة فكرية؛ وهذا هو الفارق الذي يميز «جوكر» معقداً عن آخر يعيش الفوضى.
إنه ليس خاوياً، بل يؤمن بعقيدة محددة — ومفادها أن الحضارة مجرد عرض زائف، وأن النظام وهم مشترك يتواطأ عليه الجميع، وأن كل إنسان لا يفصله عن أن يصبح مسخاً مثله تماماً سوى المرور بيوم واحد كارثي، لذلك، هو يدير مخططاته كونه فيلسوفاً يجري تجارب مختبرية، وغوثام هي معمله الكبير.
و مشهد العبّارتين في «The Dark Knight» لم يكن عملاً إرهابياً بمفهومه التقليدي، بل كان إثباتاً عملياً لصحة نظريته.
إنه مضحك وفتّاك في آن واحد، وهي توليفة لا تمنحك تلك النهاية الحاسمة، التي يمكنك أرشفتها في عقلك لتشعر بالأمان؛ فهذا الغموض وعدم الحسم هو الغاية والهدف.
والنتيجة هي «جوكر» يستدر عطفك وتعاطفك، وبفعل ذلك تحديداً، يتحول -للمفارقة - كائناً أصغر حجماً وأقل هيبة؛ فالجوكر الذي يمكنك تشخيصه طبياً ونفسياً هو جوكر يمكنك النأي بنفسك عنه.
إنك تفهمه الآن، والفهم في حد ذاته شكل من أشكال السيطرة والتحكم. إن الجوكر في أقصى درجات قوته وتأثيره لا يمكن التحكم فيه، أو تصنيفه، أو الرد عليه؛ فهو يعمل بذات الطريقة التي تعمل بها فكرة مزعجة ومقلقة - لا من خلال سحقك والسيطرة عليك بقوتها المادية، بل عبر سحب البساط من تحت قدميك وخلخلة ثباتك.
تبحث عن تفسير منطقي فلا تجد شيئاً، وفي هذا الفراغ المطبق، يستقر في وجدانك شعور أكثر برودة وقسوة.
لقد لخص «ألفرد» الأمر ببساطة، وكان الفيلم من الذكاء، بحيث ترك العبارة ترن في الآذان دون تنميق: «بعض الرجال يريدون فقط رؤية العالم يحترق»، بلا هوامش تفسيرية، وبلا قصة ماضٍ مريرة، الحقيقة أن بعض الأشياء في هذا الكون هي ببساطة على ما هي عليه، دون «لماذا».
