من الأشياء المحيرة في السينما عندما يصل نص أصلي مبتكر أو مقتبس بشكل جيد من رواية عظيمة إلى استوديو ويرصد له التمويل، وتحشد له أسماء كبار النجوم، ويسند إلى مخرج بارع ومعروف لكنه ينهار عند التنفيذ ويخفق على الشاشة. من أشهر الأمثلة:
The Bonfire of Vanities عام 1990: وهو مقتبس من رواية رائعة بنفس العنوان للروائي توم وولف. وعلى ملصق الفيلم ثلاثة من كبار نجوم هوليوود آنذاك: بروس ويليس وتوم هانكس وميلاني غريفيث. والمخرج برايان دي بالما صاحب تحف سينمائية في السبعينيات والثمانينيات كان آخرها The Untouchables و «مصابي الحرب» عامي 1987 و1989 على التوالي قبل تصوير هذا الفيلم. لم يتقن الفيلم نبرة الرواية التي كانت مظلمة وساخرة وغير النبرة إلى خفيفة لا تمت لأجواء الرواية بصلة. فضلاً عن إسناد دور شخصية خبيثة إلى توم هانكس المعروف أن ملامحه لا تصلح إلا لأداء شخصية محبوبة. بشكل عام النبرة الساخرة الفاقدة لقسوة الرواية أفسدت الفيلم بشكل كامل.
الدرس: معروف أنه إذا نزعت الجرأة من القصة، فقد نزعت الغاية منها.
جزيرة الدكتور مورو 1996: على الورق هذه رواية H.G. Wells الذي كتب روايات شهيرة مثل حرب العوالم والرجل الخفي وآلة الزمن. وأسندت البطولة إلى الراحلين مارلون براندو وفال كيلمر وجينا ديفيس والأخيرة كانت وقتها زوجة مخرج الفيلم ريني هارلن الذي اشتهر في هوليوود بعد إخراج الجزء الثاني من Die Hard. كل الأسماء قوية والمخرج معروف، فأين حدث الخلل؟ عملية تصوير الفيلم كانت من الأكثر فوضوية في تاريخ هوليوود، وتمت إقالة المخرج أثناء التصوير، وتشاجر براندو مع كيلمر كثيراً طوال الوقت وافتقد الفيلم أي رؤية.
الدرس: إذا لم تكن هناك قيادة في طاقم التصوير، يخفق الفيلم ولو كان مدججاً بأقوى الأسماء في السينما.
رابطة السادة الخارقين 2003: مقتبس من قصة مصورة ناجحة من تأليف ألان مور ومن بطولة شون كونري. حول الفيلم رواية مصورة ناجحة وذكية إلى فيلم أكشن عادي وعانى الفيلم من كثرة الشخصيات وافتقد أي رابط عاطفي بينها. كما أن تدخلات الاستوديو الكثيرة أضعفت الفكرة وشتتتها. ووصلت إلى درجة أن كونري كره التجربة وتقاعد بعد الفيلم فوراً.
الدرس: التعقيدات في أي فيلم بحاجة إلى الوضوح، ومن دونه يصبح مجرد ضوضاء.
بروميثيوس 2012: على الورق هذا الفيلم قصة تمهيدية للفيلم الشهير Alien، ومخرجه ريدلي سكوت مخرج الفيلم الشهير نفسه. لكن المخاطرة هنا كانت في الفكرة التي حملت بعداً فلسفياً كبيراً لم تستسغه الجماهير التي شاهدت في Alien فيلم رعب مبتكر تدور أحداثه في الفضاء. اعتمد الفيلم بشكل كبير على عامل الإبهار البصري وأهمل الشخصيات. وطرح أسئلة كبيرة لكنها تركها بلا إجابات مقنعة. والعيب الأكبر أنه كان مشتتاً بين فكرتين: الفلسفة والرعب ولم يلتزم تجاه أي فكرة. وكأنه يستعرض أفكاراً دون وجود أي رابط بينها.
الدرس: حتى ريدلي سكوت لا يستطيع إنقاذ فيلم فكرته مبتكرة إذا كانت الشخصيات ضعيفة وتتصرف بطريقة غير مفهومة.
رجل الثلج 2017: هذه أصلاً رواية الكاتب النرويجي جو نيسبو وما أروع قصص الجريمة القادمة من دول اسكندنافيا والتي لم تتوقف هوليوود يوماً عن الاستلهام منها وتقليدها في الثلاثين عاماً الماضية. البطولة للصاعد مايكل فاسبيندر، والأسلوب «نوار سكندنافي» يعني باختصار جريمة. كان هناك استعجال شديد في عملية الإنتاج وصرح المخرج السويدي توم ألفريدسون أنه لم يصور 15 % من النص بسبب الاستعجال، وانتهى به الأمر في غرفة المونتاج بفيلم ناقص لقطات أساسية لشرح جزئيات من القصة. وعندما لم يتمكن من التصوير طلبوا منه تغطية النص بإعادة المونتاج بطريقة تغطي العيوب وفعل ذلك، لكن بقيت المشكلة الأساسية. وفقد الفيلم عامل التشويق لأن السرد ناقص والقصة غير مكتملة.
الدرس: إذا الأساس مكسور، فالأسلوب لن يجدي نفعاً.
Public Enemies عام 2009: هذه قصة أسطورية واقعية من ثلاثينيات القرن الماضي. المخرج مايكل مان وهو من أفضل من تناول أفلام الجريمة في هوليوود والبطولة لجوني ديب. الخلل من المخرج نفسه، مايكل مان رجل مهووس بالتجريب وقرر تصوير قصة كلاسيكية بكاميرا رقمية فكانت النتيجة أن الصورة شديدة الوضوح خانت كلاسيكية القصة، ولم تتلاءم مع روح الثلاثينيات التي فقدت بشكل كامل في الفيلم.
الدرس: الأسلوب التجريبي يقتل الجو لو ناقض روح القصة.


