دخلت علينا جائحة في بداية 2020 لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، وآخر جائحة حدثت قبلها بـ 100 عام. هذه الجائحة لم تكتفِ بتدمير اقتصادات العالم، لكنها تركت أثراً عميقاً على عادات وسلوك الناس.
سينما ما بعد كوفيد ليست ميتة، ولكنها ضاقت وأصبحت متقلبة، ومدفوعة بأفلام التجربة السينمائية ولا ترحم. أفضل عبارة لوصف ذلك: قبل كورونا كان الذهاب إلى السينما عادة أسبوعية/ نصف شهرية. بعدها، أصبح الذهاب إلى السينما قراراً حاسماً.
هذا التغيير البسيط يفسر معظم ما حدث في هذه الصناعة.
قبل كوفيد كان الفيلم يعرض حصرياً في السينما مدة 90 يوماً. بعد الجائحة، عودت الاستوديوهات الجماهير على توفر الفيلم على منصات البث في المنازل بعد السينما بفترة بسيطة قُدرت بأسبوعين فقط.
بعد زوال الجائحة، اتفق موزعو الأفلام على فترة جديدة ثابتة لحصرية الفيلم في السينما وهي 45 يوماً. وهي فترة وسطية بين النموذج القديم والنموذج الجديد الذي خفض فترة الانتظار للجماهير.
وكانت استوديوهات يونيفرسال هي أول من حطم النموذج القديم بسبب مصادفة إطلاق منصة بثها الخاصة (بيكوك) في عام 2020 نفسه. واعترف مالكو صالات السينما أن ضيق النافذة السينمائية الجديد أضعف عادة الذهاب إلى السينما.
الأرقام منذ 2021 أشارت بوضوح أن أرباح العروض السينمائية مضافاً إليها أرباح منصات البث تجاوزت أرقامها المعلنة قبل الجائحة، ما يشير إلى تحول جديد في الجاذبية الاقتصادية.
وهي التي كانت قبل كوفيد تزدهر من خلال ترويج النقاد وكلام الناس عبر اقتراحها لبعضهم البعض، ماتت بسبب توقع الناس سرعة انتهاء عرضها السينمائي، وبالتالي ينتظرونها في بيوتهم، وبهذا ضعف أداؤها خصوصاً في الأسابيع الافتتاحية، وبالتالي تقلصت نافذة العرض وفقدت نصيبها من شباك التذاكر.
صالات السينما لم تعد تنافس بعضها البعض، ولكن باتت تنافس المطاعم وصالتك المنزلية في آن واحد، خصوصاً لصغار السن.
وهو ما ينسجم مع التحول السلوكي للجماهير من حضور اعتيادي كل أسبوع قبل كوفيد إلى تجربة سينمائية تستحق الخروج إلى المنزل من أجلها.
من المستفيد من هذا التغيير؟
الفائز الثاني هم مالكو الصالات السينمائية الفاخرة، فالدراسات السلوكية أثبتت أن خدمات العرض الفاخرة أصبحت أحد أقوى الأسباب لتفضيل الناس الخدمات الراقية على تجربة المشاهدة المنزلية.
حسب موقع فراييتي فإن الشركتين أعلنتا أرباحاً قياسية لعام 2024. وبالنسبة لنيون فإن توزيعها لأفلام دراما راقية أسهم بقوة في إبقائها داخل المنافسة السينمائية في عالم ما بعد كوفيد.
في استطلاع رأي لمنظمة «Pew»، تبين أن نسباً متزايدة من الكبار تحت سن 50 ذهبت إلى السينما، كما نشرت منظمة سينما يونايتد بالتعاون مع NRG بيانات عكست صعوداً في أعداد رواد السينما من جيل زد في 2025.
هذا لا يعني أن عادة الذهاب إلى السينما رجعت كما كانت قبل 2020، لكن يعني أن السينما ما زالت تتمتع بطاقة الشباب عندما يكون المعروض بسمات اجتماعية أو خاصة تستدعي تلبيته.
من الخاسرون؟
ازدهرت هذه الأفلام قبل كورونا اعتماداً على ترويج الناس من خلال اقتراحاتهم لبعضهم البعض، ولعدم وجود بديل داخل المنازل، أو لعدم قوته وقتها، أما اليوم فأصبح الحكم عليها سريعاً وسط المنافسة في الصالات وفي المنازل.
هذا لا يعد انهياراً، لكنه بعيد عن التصور القديم الذي كان مفاده أن الذهاب إلى السينما كان روتيناً منتظماً ومشتركاً للجمهور العام.
ما يشير إلى أن الدراما الراقية (برستيج) وقوة النجوم لا تكفيان إذا كانت الاستراتيجية السينمائية غير واضحة أو غير ثابتة.

