السينما بعد كوفيد.. من العادة إلى التجربة.. كيف غيّرت الجائحة الأفلام للأبد؟ " 1 - 3 "

بدخول عام 2026، أصبحت معالم السينما في هذا العقد واضحة لدارسي الظواهر الفنية ومراقبيها ككاتب هذه السطور، والموضوع الذي تجنبنا الخوض فيه منذ ثلاثة أعوام لعدم وضوح الرؤية أصبح جاهزاً للطرح والنقاش اليوم.

دخلت علينا جائحة في بداية 2020 لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، وآخر جائحة حدثت قبلها بـ 100 عام. هذه الجائحة لم تكتفِ بتدمير اقتصادات العالم، لكنها تركت أثراً عميقاً على عادات وسلوك الناس.

سينما ما بعد كوفيد ليست ميتة، ولكنها ضاقت وأصبحت متقلبة، ومدفوعة بأفلام التجربة السينمائية ولا ترحم. أفضل عبارة لوصف ذلك: قبل كورونا كان الذهاب إلى السينما عادة أسبوعية/ نصف شهرية. بعدها، أصبح الذهاب إلى السينما قراراً حاسماً.

هذا التغيير البسيط يفسر معظم ما حدث في هذه الصناعة.

تبدل نموذج العمل السينمائي بفعل أربعة عوامل كبرى:

الأول: انهيار النافذة السينمائية للفيلم بشكل كامل قبل عودتها بشكل جزئي.

قبل كوفيد كان الفيلم يعرض حصرياً في السينما مدة 90 يوماً. بعد الجائحة، عودت الاستوديوهات الجماهير على توفر الفيلم على منصات البث في المنازل بعد السينما بفترة بسيطة قُدرت بأسبوعين فقط.

بعد زوال الجائحة، اتفق موزعو الأفلام على فترة جديدة ثابتة لحصرية الفيلم في السينما وهي 45 يوماً. وهي فترة وسطية بين النموذج القديم والنموذج الجديد الذي خفض فترة الانتظار للجماهير.

وكانت استوديوهات يونيفرسال هي أول من حطم النموذج القديم بسبب مصادفة إطلاق منصة بثها الخاصة (بيكوك) في عام 2020 نفسه. واعترف مالكو صالات السينما أن ضيق النافذة السينمائية الجديد أضعف عادة الذهاب إلى السينما.

الثاني: انتقال مركز الجاذبية الاقتصادي من «صندوق التذاكر» إلى «تسييل المحفظة السينمائية». يعني الفيلم لا يحكم عليه بأدائه في شباك التذاكر فقط، لكن بأدائه أيضاً على منصات البث ومعدل الاحتفاظ بالمشتركين في تلك المنصات، إضافة إلى الحقوق العالمية والترويج التجاري ونمو الفيلم إلى سلسلة سينمائية.

الأرقام منذ 2021 أشارت بوضوح أن أرباح العروض السينمائية مضافاً إليها أرباح منصات البث تجاوزت أرقامها المعلنة قبل الجائحة، ما يشير إلى تحول جديد في الجاذبية الاقتصادية.

الثالث: تآكل طبقة أفلام الميزانية المتوسطة، بمعنى أن الجمهور ينظر فقط إلى أفلام التجربة السينمائية الضخمة (بلوكباستر)، بينما الأفلام المستقلة أو ذات الميزانية المنخفضة تتنفس فقط في المهرجانات ومواسم الجوائز أو صفقات منصات البث، لكن الأفلام ذات الميزانية المتوسطة ماتت تماماً.

وهي التي كانت قبل كوفيد تزدهر من خلال ترويج النقاد وكلام الناس عبر اقتراحها لبعضهم البعض، ماتت بسبب توقع الناس سرعة انتهاء عرضها السينمائي، وبالتالي ينتظرونها في بيوتهم، وبهذا ضعف أداؤها خصوصاً في الأسابيع الافتتاحية، وبالتالي تقلصت نافذة العرض وفقدت نصيبها من شباك التذاكر.

الرابع: تحول صالات السينما من مجرد قاعات عرض إلى وجهات فاخرة تضم خدمات مطاعم تحمل اسم شيف شهير ومقاعد وثيرة إلكترونية تتحول إلى أسرّة وخدمات فندقية كتوفير وسادات وبطانيات لمن أراد مشاهدة الفيلم مستلقياً، وكذلك خدمات إيصال الطلب إلى داخل الصالة وإمكانية حضور النادل إلى مقعدك بضغطة زر.

صالات السينما لم تعد تنافس بعضها البعض، ولكن باتت تنافس المطاعم وصالتك المنزلية في آن واحد، خصوصاً لصغار السن.

وهو ما ينسجم مع التحول السلوكي للجماهير من حضور اعتيادي كل أسبوع قبل كوفيد إلى تجربة سينمائية تستحق الخروج إلى المنزل من أجلها.

من المستفيد من هذا التغيير؟

الفائز الأكبر هي أفلام التجربة السينمائية والفرانشايز والرعب والأنيميشن وأي فيلم يتمتع بسمات اجتماعية أو إبهار بصري يبرر عناء الرحلة من المنزل إلى السينما. صالات العرض أصبحت مكاناً لعرض أفلام تتمتع بالضخامة والسرعة والتفاعل المشترك.

الفائز الثاني هم مالكو الصالات السينمائية الفاخرة، فالدراسات السلوكية أثبتت أن خدمات العرض الفاخرة أصبحت أحد أقوى الأسباب لتفضيل الناس الخدمات الراقية على تجربة المشاهدة المنزلية.

إلى جانب الاستوديوهات والموزعين الذين فهموا قواعد اللعبة الجديدة، برز لاعبون ليسوا جدداً بالضبط، لكنهم نجحوا في الانتقال من عالم قبل كوفيد إلى الوضع الجديد، شركات متوسطة مثل A24 ونيون المتخصصتين بشكل استثنائي في تحويل أفلام مختارة إلى لحظات ثقافية بارزة.

حسب موقع فراييتي فإن الشركتين أعلنتا أرباحاً قياسية لعام 2024. وبالنسبة لنيون فإن توزيعها لأفلام دراما راقية أسهم بقوة في إبقائها داخل المنافسة السينمائية في عالم ما بعد كوفيد.

في استطلاع رأي لمنظمة «Pew»، تبين أن نسباً متزايدة من الكبار تحت سن 50 ذهبت إلى السينما، كما نشرت منظمة سينما يونايتد بالتعاون مع NRG بيانات عكست صعوداً في أعداد رواد السينما من جيل زد في 2025.

هذا لا يعني أن عادة الذهاب إلى السينما رجعت كما كانت قبل 2020، لكن يعني أن السينما ما زالت تتمتع بطاقة الشباب عندما يكون المعروض بسمات اجتماعية أو خاصة تستدعي تلبيته.

من الخاسرون؟

الخاسر الأول أفلام الدراما الموجهة للكبار ذات الميزانية المتوسطة، وكذلك الأفلام الأصلية (يعني أفلام فكرتها أصلية وغير مرتبطة بسلسلة شهيرة). هذه الفئة لم تخسر لأن الجمهور يكرهها، لكن لأنها ظلمت، بسبب تبدل الظروف، والمنافسة الشديدة في الصالات وانجذاب الناس للخيارات المنزلية.

ازدهرت هذه الأفلام قبل كورونا اعتماداً على ترويج الناس من خلال اقتراحاتهم لبعضهم البعض، ولعدم وجود بديل داخل المنازل، أو لعدم قوته وقتها، أما اليوم فأصبح الحكم عليها سريعاً وسط المنافسة في الصالات وفي المنازل.

قالت منظمة «Pew» إن 53 % من الأمريكيين قالوا إنهم شاهدوا فيلماً داخل السينما بين صيف 2024 والصيف الذي يليه.

هذا لا يعد انهياراً، لكنه بعيد عن التصور القديم الذي كان مفاده أن الذهاب إلى السينما كان روتيناً منتظماً ومشتركاً للجمهور العام.

منصات البث في عالم ما بعد كوفيد، والتي حاولت قتل السينما تعلمت درساً قاسياً، فقد سحبت شركة آبل أفلاماً ذات كلفة عالية أخفقت في شباك التذاكر بسبب تغير سلوك الجماهير، وضاعت وسط الزحام الرقمي عندما تجاهلت آبل العروض السينمائية وطرحت الأفلام على منصتها فقط.

ما يشير إلى أن الدراما الراقية (برستيج) وقوة النجوم لا تكفيان إذا كانت الاستراتيجية السينمائية غير واضحة أو غير ثابتة.