تتجاوز لغة التصميم حدود الجغرافيا، وتنسج من الخطوط والألوان والرموز مفردات بصرية قادرة على مخاطبة الوجدان الإنساني بمختلف خلفياته الثقافية.
فلكل عمل إبداعي حكاية تحمل شيئاً من ذاكرة المكان وخصوصية المجتمع، وفي تلاقي هذه الحكايات تنشأ لغة مشتركة تفتح نوافذ للتعارف، وتثري الحوار بين الشعوب، وتمنح الاختلاف الثقافي أبعاداً جمالية وإنسانية أرحب.
ومن هذا المنطلق، يرسّخ مهرجان «أسبوع دبي للتصميم 2026»، الذي يستمر حتى 8 نوفمبر الجاري، مكانته بوصفه ملتقى للتجارب والرؤى المتنوعة، ومساحة تتفاعل فيها الهويات عبر حلول تصميمية تستلهم الموروث وتستكشف آفاق الحداثة.
وتضيء «البيان»، من خلال لقاءات أجرتها مع مصممين يشاركون في النسخة الحالية من الحدث، على الكيفية التي تتحول بها الرموز والإشارات والتفاصيل الجمالية إلى لغة بصرية عابرة للحدود، تقرّب المسافات، وتؤكد قدرة الإبداع على توحيد المشاعر، وتوسيع مساحات التفاهم الإنساني.
جسور تواصل
وفي هذا السياق، أكدت المصممة اللبنانية نورهان رحال، أن التصميم والفن يمثلان لغة عالمية مشتركة، قادرة على مد جسور التواصل بين مختلف ثقافات وشعوب العالم، رغم وجود بصمة فريدة لكل مجتمع ترتبط بطبيعة حياته ومواده، مشيدةً بالدور الذي ينهض به مهرجان «أسبوع دبي للتصميم 2026» في إيجاد مناخ تتقارب فيه الرؤى والاتجاهات الثقافية المتنوعة.
ولفتت نورهان إلى أنها بدأت مسيرتها مهندسة ودارسة للتصميم منذ نحو 14 عاماً، حيث ركزت في بداياتها على الخشب، قبل أن تتوسع في استعمال مواد أخرى، كالطين والنحاس والحديد، مؤكدةً أن هذا الدمج يضفي طابعاً حياً ومميزاً على القطع المصنوعة.
وبينت أنها تحرص خلال عملها الإبداعي على الجمع المتقن بين التصميم والإنتاج الفعلي للقطع الفنية، حيث تعمل بالتنسيق مع علامة «ميك» في ميناء زايد بأبوظبي، منوهةً بأنها لا تقتصر على وضع التصاميم فحسب، بل تتولى عمليات التنفيذ وصناعة النماذج الأولية المصغرة لقطع الأثاث قبل تحويلها إلى أحجامها الحقيقية.
وفي ما يتعلق بواقع التصميم في الإمارات، أوضحت نورهان رحال أن الثقافة الإماراتية تزخر بعناصر فريدة، تميز مجتمعاتها المستمدة من التراث والأجداد، ضاربة المثال بسعف النخيل، الذي لم يكن يقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل استُخدم قديماً في أعمال البناء ومتطلبات الحياة اليومية، لافتةً إلى أن المصممين المحليين يحرصون على تسليط الضوء على التفاصيل التراثية العريقة للاحتفاء بها، وإبراز هويتها بأسلوب معاصر.
محطة مهمة
من جانبه، أعرب المصمم المصري خالد حسان مؤسس استوديو «فورما أوبجكت»، عن اعتزازه بمشاركته الأولى في «أسبوع دبي للتصميم»، التي رأى أنها تشكّل محطة مهمة في مسيرته المهنية، مستعرضاً تفاصيل عمله الجديد «فوايد شيلف».
وأوضح حسان أن فكرة العمل تقوم على دمج الخشب مع الستانلس ستيل، وهي مستوحاة في تصميم الفتحات من الطراز المعماري للبيوت المصرية القديمة المعروفة بـ «المشربية»، التي صُممت في الأصل لمواجهة أشعة الشمس، مشيراً إلى أنه سعى من خلال هذا التصميم إلى إيجاد مساحة تعليق مبتكرة، تدمج الخشب داخل الفراغات بأسلوب فني متفرد.
وفي سياق حديثه عن أهمية التقاء الثقافات المختلفة داخل المعارض الفنية، بيّن خالد حسان أن حضوره الدائم لفعاليات التصميم في دبي، مثل «أسبوع دبي للتصميم» وغيرها من الفعاليات المختصة، أسهم بشكل كبير في إثراء خبراته وتعليمه رؤى ثقافية جديدة، مضيفاً أنه لا ينظر إلى التصميم بوصفه مجرد نقل لثقافة عربية بحتة، بل يحاول دمج خامات مختلفة مع الخشب، لخلق توازن يجمع بين ثقافات الغرب وثقافتنا العربية.
وقال حسان: «البيوت في العالم كله تعبّر عن البيئة والثقافة التي يعيش فيها الإنسان، ونحن لن نستغني عن ثقافتنا، بل نسعى لتطويرها لتجاوز حدود المكان الواحد».
وعلى صعيد واقع قطاع التصميم في الإمارات خلال السنوات الأخيرة، أشار خالد حسان إلى وجود تطور ملحوظ في مستوى التصميم، سواء من قبل الكوادر الإماراتية أو المقيمين، داعياً إلى زيادة وتيرة الفعاليات وورش العمل المتخصصة في قطاع الأثاث على مدار العام، لدعم أصحاب الخبرات، وإبراز طاقات تصميمية جديدة.
عناصر جوهرية
وفي ركن المصممة السورية كندا غنوم، تبرز قطعة فنية راقية، تتجاوز كونها مجرد فراغ ديكوري داخل المنازل، حيث أوضح المصمم محمد غنوم، خلال حديثه عن طبيعة العمل التصميمي لكندا، أنها تعتمد في جلّ إبداعاتها على الرقمنة والبرمجيات، مشيراً إلى أن العمل الفني يدمج ببراعة بين عناصر البكسل والألوان، مع إبراز عناصر جوهرية مستوحاة من «التقويم الهاشمي» المنتشر في البيوت الدمشقية، الذي يعكس دقة الاهتمام بالأرقام والتواريخ.
وفي سياق حديثه عن دور التصميم في تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، أكد محمد غنوم أن الحراك الثقافي المعاصر نجح في تحويل الرموز والإشارات إلى لغة بصرية مشتركة، تقرّب بين الشعوب، وتعزز حوار الثقافات، منوهاً بالرؤى الفنية التي تمزج بين العراقة والحداثة في توظيف الألوان والتشكيلات البصرية لتلامس وجدان المتلقي.
وحول واقع التصميم في الإمارات، رأى غنوم أن الطابع الإماراتي الأصيل حاضر بقوة، مشدداً على أن الهوية المعمارية والتراثية في الدولة تتميز بخصوصية فريدة، تتلاءم مع بيئتها وحضارتها، حتى في أشد مراحل التطور الحداثي.






