الآلة تكتب والإنسان يروي.. لمن تنحاز الحكاية؟

منذ فجر التاريخ، كان الإنسان العنصر الأساسي الذي ينبض به الأدب، إذ يتيح الكتاب للقارئ التعرّف إلى الكاتب من خلال نسيج الكلمات والجمل التي يرتبها على الورق، وما تحمله من أفكار ومشاعر وتجارب، لكننا وصلنا إلى زمن يمكن فيه للبشر الاستعانة بآلة لكتابة خُصوصًا بعد إطلاق جائزة "باسكال" للأدب بالذكاء الاصطناعي في فرنسا عام 2026، وهي اول جائزة متخصصة لروايات مكتوبة بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي مما يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع الأدبي، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقصي الأديب من المشهد الثقافي؟

أكد الروائي علي أبو الريش أن الإبداع نتاج مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والجسدية والعقلية، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، لكنه لا يرى أنه قادر على أن يحل محل الإنسان في كتابة الأدب، مثل القصة والقصيدة.

واوضح أن هوية الكاتب لا تتشكل من أسلوبه وحده، بل تتأثر بالفروق الفردية واللغة والتجارب الشخصية والبيئة التي ينتمي إليها. ويشدد على أن تشابه النصوص الأدبية وتوليدها بالذكاء الاصطناعي قد يفقدانها قيمتها، مؤكدًا أن الاختلاف في الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانية ضرورة لإثراء الإبداع، وأن الفروق الفردية هي ما يمنح كل كاتب هويته الأدبية المميزة.

روح الإبداع

وترى الكاتبة عائشة سلطان أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي بعض المهام، إلا أنه لا يمكن أن يحل محل الإنسان بما يمتلكه من أفكار وأحاسيس وقدرة على التفاعل مع التجارب المختلفة.

وتشير إلى وجود تجارب ووقائع استُبعدت فيها نصوص بعد ثبوت توليدها بالذكاء الاصطناعي، مؤكدةً أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد في توفير المعلومات وتطوير الأفكار، لكنها لا ينبغي أن تحل محل الأديب في إنتاج العمل الإبداعي.

وفي سياق آخر، أشاد منصور الحساني مدير إدارة خدمات النشر في هيئة الشارقة للكتاب، أن توليد الكتب عن طريق الذكاء الاصطناعي لا يُعدّ كتابة بالمعنى الحقيقي، إذ تعتمد هذه التقنيات على مصادر مختلفة تجمعها في مكان واحد، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان روح الكاتب في النص. وأوضح أن الآلة لا تستطيع، من وجهة نظره، إنتاج نص يتيح للقارئ العيش في عالم آخر ويغذّي مخيلته، مشيرًا إلى أن جوهر الكتاب يتمثل في أفكار الإنسان، وأن لكل مؤلف طابعًا وحضورًا خاصين لا يمكن استبدالهما بالذكاء الاصطناعي. واستشهد بكتب الجريمة، التي تعددت موضوعاتها، لكن لكل عمل منها ميزته المرتبطة بطريقة تفكير الروائي وإبداعه الخاص.

الهوية الأدبية

وفي هذا الإطار، ترى الدكتورة مريم الهاشمي، رئيسة نادي النقد في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، أن تنامي قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد النصوص الأدبية يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه التقنيات على التعبير عن الهوية المحلية وذاكرة المكان، وتقديم أعمال تتجاوز محاكاة الأساليب الأدبية إلى إحداث إضافة نوعية للفكر الإنساني.

وتؤكد أن قيمة الكاتب لا تُقاس بعدد الأعمال التي ينتجها، بقدر ما تتحدد بما يقدمه من قيمة أدبية وإضافة نوعية. كما ترى أن الأدب الإماراتي مطالب بتقديم إسهام في الفكر الإنساني من خلال التعبير عن الموروث الثقافي والتجربة الإنسانية المحلية، معربةً عن تفاؤلها بقدرة الأدب الإماراتي على المضي بخطوات واثقة نحو ترسيخ حضوره وتقديم تجربة أدبية تعكس خصوصيته الثقافية والإنسانية.

أداة مساندة

من جانبها، أشارت الكاتبة مريم الزرعوني إلى أنها تتخذ موقفًا إيجابيًا من الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن استخدامه أداةً مساندة في مهام مثل التخطيط، وجمع المعلومات، والعثور على الوثائق، وتصميم الخرائط. لكنها ترى أن تحوّله إلى أديب أمر غير ممكن، حتى وإن استطاع توليد نص إبداعي بسرد متماسك.

وأكدت ضرورة ألّا يعتمد الأدباء على هذه التقنيات اعتمادًا كاملًا، مشيرةً إلى أن الأمانة الأدبية تمنعها من استخدام النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي ونسبتها إلى نفسها، لأن ذلك يعني، بحسب رأيها، انتحال عمل لم تكتبه.

متعة القراءة

من جهتها، تؤكد الأديبة والشاعرة نجوم الغانم أن الاعتماد على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي قد يفقد القارئ متعة التجربة الأدبية، وما تحمله من أثر وجداني وثراء إبداعي.

وتوضح أن النصوص التي تفتقر إلى العمق الإنساني واللغوي والموضوعي، وتعتمد على التكرار، تفقد قدرتها على ملامسة روح القارئ وإحداث الأثر الذي تمنحه القراءة الأدبية. ورغم احتمال تطور التقنيات الرقمية وقدرتها على إنتاج نصوص أكثر إبداعًا، فإنها تشدد على ضرورة أن يظل الإنسان أكثر إبداعًا في تعامله مع هذه التقنيات وتوظيفها.