شكراً محمد بن راشد زرعت فينا حب القراءة وألهمتنا طريق الإنجاز

وراء كل إنجاز رحلة من الصبر والإرادة والأمل، ومن رحم المعاناة ولدت حكاية بانة العبدالله، حكاية طفولة أنهكتها مرارة التهجير، وأحلام أبت أن تنكسر أمام ما فرضته ويلات الحرب من وجع وحرمان.

لم يكن طريق بانة مفروشاً بالورود، فبينما كانت أسرتها تواجه مشقة النزوح من مدينة إلى أخرى دأبت تبحث عن ملاذٍ يخفف عنها محنتها، فوجدت في الكتب رفيقاً يضيء عتمة واقعها، وفي القراءة نافذة تطل منها على عالم أرحب، تتسع فيه أحلامها لما ضاقت به أيامها.

لم تكن القراءة بالنسبة إلى بانة ذات الـ12 عاماً، مجرد هواية، بل صار شغفاً يمنحها الأمل، وطريقاً تتشبث من خلاله بحقها في المعرفة والتعلّم والحلم، مهما اشتدت ظروف الحياة.

وبالمثابرة والإصرار مضت في طريقها مع الكتب، حتى توجت بطلة سوريا في «تحدّي القراءة العربي»، لتثبت أن البدايات القاسية لا تحكم النهايات، ولتقف اليوم على أعتاب محطة جديدة في مسيرتها، تمثّل فيها وطنها في الحفل الختامي لتحدي القراءة العربي وذلك يوم الخميس، حاملة قصة طفلة تمسكت بأحلامها رغم الألم والمشقة، وجعلت من القراءة شعلة تنير دربها نحو المستقبل.

استهلت بانة حديثها لـ«البيان» بتوجيه الشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مؤكدة أن سموه غرس في نفوس الأجيال العربية حب اللغة والاعتزاز بها، وألهمهم أن يجعلوا من الطموح طريقاً للإنجاز، ومن الإصرار والعزيمة سبيلاً إلى بلوغ القمة.


وتصف بانة مبادرة «تحدّي القراءة العربي» بأنها أكثر من مجرد مسابقة؛ فهي، على حد تعبيرها، مدرسة تبعث الحياة في اللغة العربية، وشجرة مباركة تتفيأ الأجيال ظلالها، وتنهل من ثمارها علماً ومعرفة وإبداعاً، وترى أنها منحتها فرصة لاكتشاف قدراتها، وصقل موهبتها، وتحويل شغفها بالقراءة إلى إنجازات ملموسة.

وتستعيد بانة رحلتها مع المبادرة، إذ تشارك بها للمرة الرابعة قائلة: «بفضل الله، ثم بفضل مسابقة «تحدّي القراءة العربي»، قرأت أكثر من 300 كتاب في مجالات متنوعة، لم تكن مجرد صفحات أطويها، بل عوالم فتحت أمامي مسارات جديدة، وأثرت لغتي، ومنحتني القدرة على التعبير بطلاقة، وأعانتني على الفصاحة والخطابة، وصولاً إلى التأليف.

لقد علّمتني هذه المسابقة أن الإنجاز ثمرة السعي والمثابرة، فاجتهدت ليل نهار، حتى نلت جائزة الإبداع الدولية للأديب الناشئ من وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، بعد تأليف كتابي «أنا سوري»، كما دفعتني القراءة إلى اكتشاف ميادين جديدة للعطاء، فخضت تجربة العمل التطوعي بعد قراءتي كتاب عن التطوع، واليوم، أقف فخورة بتتويجي بطلة لسوريا في «تحدّي القراءة العربي»، لكن طموحي لا يتوقف عند هذا الإنجاز؛ فالمعرفة رحلة لا تنتهي، وفي ميدان العلم لا خطوط نهاية، بل آفاق جديدة تنتظر من يجرؤ على الحلم والسعي».

رحلة نزوح

لم تكن رحلة بانة مع القراءة منفصلة عن رحلة النزوح، التي عاشتها أسرتها هرباً من ويلات الحرب؛ فقد تنقلت من دير الزور إلى حلب، ثم الحسكة والرقة، قبل أن تقودها ظروف الحرب إلى ريف دمشق، حيث استقرت الأسرة. وبين محطات الرحيل وقلق البدايات الجديدة بقيت الكتب رفيقتها الأقرب، والشيء الذي حرصت على الاحتفاظ به مهما اشتدت الظروف. وتروي بانة تلك التجربة بكلمات تختصر حجم تعلّقها بالقراءة:

«كانت رحلة محفوفة بالمخاطر والخوف والقلق، وفي خضم كل ذلك لم تستطع أمي أن تحمل معها من بيتنا سوى القليل، وكانت كتبي من أهم ما حرصت على اصطحابه، فقد كانت أكثر من مجرد كتب؛ كانت رفيقتي في الرحيل، وجزءاً من عالمي الذي تمسكت به في كل اللحظات».

كتب بأثر عميق

وعن الكتب التي تركت أثراً عميقاً في وجدانها تتحدث بانة بشغف عن مؤلفات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومنها «قصتي»، و«علمتني الحياة»، و«الرسائل»، مشيرة إلى أنها وجدت بين صفحاتها قصصاً وعبارات ملهمة، تدعو إلى الخير والمحبة والعمل والإنجاز، فحفظت كثيراً منها، واستلهمت معانيها في رحلتها نحو تحقيق أحلامها.

وتقول: «بدأت علاقتي بالقراءة من القصص المصوّرة الدينية، ثم اعتدت تدوين مذكراتي اليومية، ومع مرور الوقت أصبحت الكتب جزءاً أساسياً من حياتي، أجد فيها ما يلامس مشاعري ويساعدني على فهم نفسي والعالم من حولي، ومن الكتب التي تركت أثراً خاصاً في نفسي رواية «البنت التي لا تحب اسمها» للكاتبة أليف شافاك، فقد قرأتها أكثر من ثلاثين مرة؛ لأنها لامست روحي، ومنحتني دافعاً لمواجهة التنمّر بثقة أكبر، كما أحببت شعر نزار قباني، عاشق دمشق، الذي وجدت في كلماته جمال اللغة وعمق المشاعر».

حلم المركز الأول

ومع اقتراب الحفل الختامي لـ«تحدّي القراءة العربي» تتداخل في قلب بانة مشاعر الفرح والفخر والترقب، فيما يتسع حلمها ليصبح أكبر من مجرد اعتلاء منصة التتويج، فهي تطمح إلى الفوز بالمركز الأول عربياً، لكنها تحمل أيضاً مسؤولية تمثيل وطنها سوريا، والتعريف بما يمتلكه أبناؤه من مواهب وقدرات رغم ما عانوه من ظروف قاسية.

وتعبّر عن مشاعرها قائلة: «تغمرني مشاعر الفرح والفخر كلما اقترب موعد الحفل الختامي، ويزداد معها إصراري على مواصلة الطريق. أحلم بالفوز بالمركز الأول عربياً، لكن حلمي الأكبر أن أمثّل سوريا خير تمثيل، وأن أرفع اسمها عالياً، وأن تكون مشاركتي صورة مشرقة عن إرادة أبنائها وقدرتهم على صناعة الأمل.

أعتز بانتمائي إلى أسرة «تحدّي القراءة العربي»؛ فهذه المبادرة لم تمنحني فرصة المنافسة فحسب، بل أسهمت في صقل موهبتي، ووسّعت مداركي، وفتحت أمامي أبواباً جديدة للعلم والإبداع. وأقف اليوم بفخر، أحمل حصيلة سنوات من القراءة والاجتهاد والإنجازات الأدبية، مؤمنة بأن الفوز الحقيقي لا يُقاس بالجوائز وحدها، بل بما يتركه العلم في عقولنا، والإصرار في نفوسنا، والعزيمة في طريقنا نحو المستقبل».

دبي.. مدينة الحلم والأمل

ولا تنفصل ذكريات بانة عن دبي عن تجربتها في «تحدّي القراءة العربي»؛ فالمدينة التي زارتها للمشاركة في فعاليات المسابقة تركت في نفسها أثراً تجاوز حدود المكان، لتصبح ذكرى جميلة وتجربة ملهمة، تستحضرها بكل حب وامتنان.

وتقول: «دبي بالنسبة إليّ قصة حب لا تُنسى، وذكرى جميلة ستظل حاضرة في قلبي. قضيت فيها أياماً سعيدة، واكتشفت مدينة استثنائية، تجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل، وبين عراقة الصحراء وأبراج تناطح السحاب. إنها مدينة تجعل الإنسان يؤمن بأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تتحول إلى واقع حين تتوافر الإرادة والرؤية والعمل».

وتتابع بانة حديثها عن المدينة التي ترى فيها نموذجاً للطموح والتعايش: «ما يميّز دبي ليس عمرانها المذهل ولا إنجازاتها الكبيرة فحسب، بل رسالتها الإنسانية أيضاً؛ فهي مدينة تحتضن ثقافات وجنسيات متعددة، وتجمع بينها قيم التسامح والتعايش والاحترام، وقد أثبتت أن الاختلاف ليس عائقاً، بل مصدر قوة وإبداع، وأن الطموح حين تقوده رؤية حكيمة يصنع مستقبلاً يفوق التوقعات. حفظ الله دبي، وأدام عليها نعمة الأمن والازدهار».

رسالة بطلة

ومن تجربتها التي بدأت بشغف طفولي بالقراءة، ووصلت بها إلى لقب بطلة سوريا، توجّه بانة رسالة إلى أقرانها، تدعوهم فيها إلى اغتنام فرصة المشاركة في الموسم الحادي عشر من مسابقة «تحدّي القراءة العربي»، والتحلي بالصبر والمثابرة، والالتزام بمعاييرها، مؤكدة أن الكتاب قد يكون بداية تحوّل كبير في حياة الإنسان.

وتقول: «أنصح كل طفل وكل شاب بأن يمنح القراءة فرصة حقيقية في حياته، وألا يستسلم إذا واجه صعوبة في البداية؛ فكل كتاب نقرأه يضيف إلينا شيئاً جديداً، وكل صفحة نطويها تفتح أمامنا باباً لم نكن نعرفه. شاركوا في «تحدّي القراءة العربي»، واجتهدوا والتزموا بمعاييره، واجعلوا العلم هدفاً لا تتخلون عنه».