يسكننا عشق الصور الشاعرية المطهمة بأندى الكلم واللحن، فلا نعود نرتضي حبال خيمة شغفنا وتلذذنا المعاني إلا معانقة ومؤاخية أوتاداً مقدودة من فرائد معادن ثمينة، صهرتها وصاغت ملامحها قرائح شعراء ونثارين أفذاذ، ينير قصيدهم وسكب نصوصهم عتمات دروب أيامنا، ويهدي الفائزين منا بشعلات أكناه جواهرها الحق، بوصلات وأنجماً لا تكذب أو تخطئ أو تربك المسار، فينتشلهم من متاهات الوجود وضجيج الزمن.
إنها حضرة المعنى الناضح أنواراً.. حضرة وحال لا تتهيآن، في الواقع، للجميع، وإنما هما من نصيب كل متيّم بعمق الدلالات وجواهر النتاجات الأدبية.. وبما يختبئ خلف شذرات الأبيات والمقاطع التي صاغها نحاتو الكلمات والرموز، فهو المستطيع أن يرى ويستلذّ أضياء ومنارات ومحمولات جمالية، تعزّ على سواه، كونه، أصلاً، شاعراً رهيف الحس متمكناً، ماهراً في تأمل، بل وفي صوغ، قلائد الأناشيد الخالدة، كما الأديب الإماراتي سالم الزمر، الذي يرسم في كتابه الجديد «شعراء كتبوني»، الصادر، أخيراً، عن دار «رمستنا»، سيرة شعرية ملهمة لقامات العشر العربي، تسافر بنا إلى حدائق هاتي النخبة، فتعرفنا إلى لآلئ تميز شعراء تخيّرهم كونهم أثّروا به وأثروا مسيرته، ومن ثمّ تنفحنا في عوالم ذياك الترحال، باقات عطرة قوامها سمات مبدعي القصيد هؤلاء وأبرز عناوين سير تفردهم الإبداعي والحياتي، إذ يجعلنا الزمر نستلذّ البقاء في عوالمهم مع كل صفحة ومحطة، كي نزور فضاءات عامرة بالمواجد والأسئلة والدهشة والجدة ومزيد الروائع في قصصهم وصفاتهم ونتاجاتهم وخياراتهم.
قائدان وأشعار
يعرض «شعراء كتبوني»، بتوسع، لسمات أشعار قائدين ملهمين: المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله.
وعن مؤسس دولة الإمارات، الشاعر المجيد الفطين، يقول الزمر: الشيخ زايد رحمه الله، رمز للوحدة والصلة والطموح والرجولة والإصرار والعزم والشهامة والعروبة والقيم، والمحب للبشرية، وهو مع ذلك صوت شعري نقي، هو صوت الإمارات.. شعره حقيقي لطيف، يجري أكثره على وزن الونة.
ويضيف المؤلف: تموج كلماته بين عاطفة جميلة ووجد متأجّج، وبين حكمة لطيفة يقتنصها من واقع حياته وتجاربه ومعرفته بالرجال ومعرفته بالناس، وهو خبير بنفوس الناس وأطباع الرجال.
ثم يستشهد صاحب «شعراء كتبوني» بجملة قصائد وأبيات، تحكي علو مقام شعر الشيخ زايد بن سلطان، ومنها:
يا محتوي حسنات لخصال
أطباع واسلوك لطيفه
قم سو لي مِالبن فنيال
وضيف الذي تبغي تضيفه
كما يضيء المؤلف على الحسّ الوطني الرفيع الوضّاح في قصيد الشيخ زايد بن سلطان، إلى جانب درر حكمته، طيب الله ثراه، وتعلقه بقيم الخير والمحبة والرأفة والتسامح والرحمة.. وعشقه الخصال الحميدة.
«يا ونتي»
يفرد سالم الزمر مساحة مهمة في كتابه للحديث عن غنى وروعة أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مبيناً أنها شملت وتشمل موضوعات وميادين حياتية متنوعة، ونضحت بأرق الصور وأبلغ المعاني. ويستشهد بمجموعات من أبيات وقصائد سموه، مثل:
يا ونتي ونات مصطاب
مجروح لي من حول عاما
الأول انا اصوب ولا انصاب
وأصيب شي ما يراما
واليوم ارقى روس الاهضاب
عالناس ما ارد السلاما
ويبين الزمر أنه يحفظ هذي الأبيات منذ طفولته، خلال أيام الدراسة، ولم يكُ يدري أن قائلها هو فارس العرب، إذ كانت تصدح بالمذياع ويطالعونها مكتوبة، ذلك بينما هي موقعة باسم شاعر يدعى أبو جسيم، الذي اتضح للزمر، وللناس جميعاً، لاحقاً، أنه ليس سوى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.
ويضيف مؤلف الكتاب: القصيدة ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، يشدك فيها ذلك الأنين وتلك الشكوى مما يجده الشاعر من هموم التعلق بمن يحب. وتلمح في هذه القصيدة ملامح القصيدة الإماراتية النبطية ذات الوجد وذات الهم الذي يحمله كثير من الشعراء، وربما هو أول ما حمله الشعراء.
ويردف الزمر: إنها قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في ريعان شعره وبهاء تعلقه. إذا عرفته شيخاً شاعراً، ثم سمعتها أو قرأتها، لمحت ملامحه فيها، فهي صورته الشاعرية الصادقة.
ويتابع المؤلف في هذي المحطة قراءة وتبيان أهمية قصيد سموه، حيث يدرس نماذج أبيات وقصائد عديدة، تكتنز قوة الدلالات وجمال المعاني والموسيقى الشعرية.
غازي القصيبي
نزور مع كتاب الزمر ربوع ألق إبداع الشاعر السعودي الراحل، غازي القصيبي، الذي كتب عن التنمية الذاتية فأبدع.. وكتب القصيدة فأبهجنا. ويشرح المؤلف سماته وقيمته، متوقفاً، ملياً، عند قدرته على تحول زيارة إلى طبيب الأسنان نتاجاً أدبياً شائقاً يغتني بالتجارب والعبر والطرفة والموعظة والآراء والحكايات المتنوعة. ثم يدرج سالم الزمر، عقبها، قصيدة قالها هو في رثاء القصيبي، عرضت لأصالة شعره وفكره وتعلّقه بالجمال الذي كان يصوغه عقداً فريداً.
حمد خليفة بو شهاب
نحطّ الرحال في ثاني مديات الكتاب، ضمن جنائن إبداع "حمد خليفة بو شهاب..الراحل المقيم". فننبش مع الزمر درر عذوبة شاعر وباحث ومؤرخ إماراتي قلما تجود الأزمان بمثله. ويحدثنا الكاتب ههنا: فقدنا أستاذنا وعلَمَنا الذي كنا نستهدي بمعرفته الموسوعي في الأدب والشعر العربي والنبطي، إننا فقدنا مرشدنا في دهاليز التاريخ الموغلة في القدم.
ويسرد المؤلف، عقبها، جملة من مناقب بو شهاب وجوانب ومقومات صدارته ورفعة منزلته الإبداعية، ذلك قبل أن يتحول للحديث عن بدايات معرفته به، ومن ثم توثّق علاقاتهما. كما يستحضر كثير الذكريات والمواقف والجلسات التي جمعته والشاعر مع مجموعة من الشعراء الآخرين، مؤكداً أن "مجالس أستاذنا حمد بوشهاب عامرة بالفائدة بكل أنواعها، فهو موسوعة علمية، من حيث أتيته نهلت من معرفته، شعراً ونثراً وثقافة وآراء سياسية وديناً وتوحيداً وتراثاً وأنساباً وغير ذلك".
كما يدرج الزمر قصيدة رثى بها أستاذه، مطلعها:
يا راحلاً أتعب الترحال مذهبه
إلى البعيد وأفنى في المدى السفرا
خليفة الوقيان
يفتتح الزمر رحلته السيرية في عوالم الشاعر خليفة الوقيان، الشاعر الكويتي، بسؤال يتقمص ثوب بيت شعري، ينبئنا في إجابته بمكانة وبسجايا الشاعر الحق، الذي يعيش غربة دائمة، كما هو الوقيان، حيث إنه يبذل ولا يرجو نوالاً من أحد. ثم يعرفنا بثراء تجربته ونصوع أشعاره.
كوكبة
بطبيعة الحال، حاول الزمر أن يحيط في كتابه، بكوكبة بارزة من الشعراء العرب المبرزين، موصفاً جماليات أشعارهم وما كتبه حول تميز سيرهم الإبداعية ونتاجاتهم الشعرية، ومن بين هؤلاء: يحيى السماوي، نزار قباني، محمد مهدي الجواهري، المتنبي، محين الشامسي، قيس بن الملوح، أحمد شوقي، عمر الخيام، الأخطل الصغير، عبدالله البردوني، محمد بن حاضر، السياب.
إن الكتاب، في المجمل، كما يقول المؤلف في كلمة له على غلافه الخلفي، وقفات كتبها الزمر، عن شعراء كبار، أخذوه من ريق الحياة إلى طريق الشعر والأدب، فكانت له معهم وقفات ونزرات، شعراء كتبوه على دفاتر الشعر مغرماً بآثارهم، فكتب عنهم.


