أكدت الروائية د. مريم الشناصي أن صناعة المستقبل تتطلب الاستثمار في المعرفة والثقافة، وتعزيز حضور الأدب الإماراتي محلياً وعالمياً، وتحويل الإنتاج الفكري والإبداعي إلى قيمة مضافة تدعم الاقتصاد المعرفي، مشددة على أهمية التكامل بين العلوم والتخصصات الإنسانية والفنون في بناء مجتمع قادر على الابتكار والتعبير عن هويته.
جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية «عقول تصنع المستقبل»، التي نظمتها جمعية الإمارات للتنمية الاجتماعية، وأدارها الشاعر عبدالله الهدية، حيث استعرضت الشناصي تجربتها في الانتقال من التخصص العلمي إلى العمل الأدبي والثقافي، وجهودها في التعريف بالكتاب الإماراتي خارج الدولة، إلى جانب رؤيتها لتطوير الصناعات الثقافية وتعزيز دورها في التنمية.
وأكدت الشناصي، أن اهتمامها بالعلوم البيولوجية لم يمنعها من التوجه إلى الأدب والثقافة، بل أسهم في توسيع رؤيتها للحياة والبيئة والمجتمع، إذ يمكن تطوير المهارات والمعارف عبر التعلم المستمر والتجربة، موضحة أن التخصص الأكاديمي لا ينبغي أن يحد من آفاق الإنسان، مشيرة إلى تجربتها في الهند التي امتدت لأكثر من 14 عاماً، وشملت تنظيم ندوات وورش متخصصة في الأدب العربي، والمشاركة في مبادرات للتعريف بالكُتاب والشعراء الإماراتيين، لافتة إلى اهتمام باحثين ودارسين في الهند بالأدب الإماراتي، ووجود دراسات أكاديمية تتناول كُتاباً وشعراء من الدولة.
وأشارت إلى مبادرة الكاتب الإماراتي ناصر الظاهري، الذي تبرع بنحو 1500 عنوان مختلف من الكتب لدعم مكتبات جامعية في الهند، موضحة أنها شاركت في اختيار الكتب، وتولت الجوانب التنفيذية المتعلقة بإيصالها إلى الجامعات، مؤكدة أن تعزيز الحضور الثقافي الإماراتي يحتاج إلى جهود مؤسسية مستدامة تتجاوز المبادرات الفردية، من خلال دعم ترجمة الكتب ونشرها، وتوفيرها للمكتبات والجامعات، وتشجيع الدراسات الأكاديمية التي تتناول الإنتاج الأدبي المحلي، بما يتيح نقل صورة أعمق عن المجتمع الإماراتي وثقافته.
أولويات
ودعت الشناصي، إلى إعادة النظر في أولويات الفعاليات الثقافية، بما يمنح الكاتب الإماراتي مساحة أوسع لعرض تجربته ومناقشة إنتاجه، مشيرة إلى أهمية تحقيق التوازن بين استضافة التجارب الخارجية والاهتمام بالمشهد المحلي، وشددت على أن دعم الأدب الإماراتي لا يقتصر على الاحتفاء بالكتاب، بل يتطلب الارتقاء بجودة الأعمال، وتعزيز التحرير والتدقيق والنقد المتخصص، وإتاحة الإنتاج الأدبي للقراء والباحثين، بما يرسخ حضوره على أسس معرفية وفنية واضحة.
وأكدت الشناصي أهمية توسيع الدراسات النقدية التي تتناول الرواية الإماراتية والشعر والسرد، وعدم حصر المشهد في عدد محدود من الأعمال والأسماء، بما يساعد على تقديم صورة أكثر شمولاً عن تطور الحركة الأدبية في الدولة، مؤكدة أن الثقافة يمكن أن تتحول إلى قطاع منتج للقيمة الاقتصادية، إذا جرى التعامل معها من خلال برامج واضحة ومؤشرات دقيقة تقيس أثرها وتدعم استدامتها.
وأشارت إلى أن الكتاب، على سبيل المثال، لا ينبغي النظر إليه باعتباره منتجاً ثقافياً فحسب، بل جزءاً من منظومة اقتصادية تشمل التأليف والنشر والتحرير والطباعة والتوزيع والترجمة وحقوق الملكية الفكرية، ودعت إلى تطوير نماذج إنتاج وتسويق تضمن وصول الكتب إلى القراء وتحفظ حقوق المؤلفين.
وأضافت: «أن المجتمعات القادرة على استثمار مواردها المعرفية والإبداعية تستطيع الانتقال من استهلاك المنتجات والأفكار إلى تطويرها وتصديرها، مشيرة إلى أهمية الاستفادة من الموارد المحلية والمعارف المرتبطة بالبيئة، وتحويلها إلى منتجات ومشروعات ذات قيمة، كما أن تطوير الصناعات الثقافية يتطلب الانتقال من تنظيم الفعاليات إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة، تربط المبدعين بالمؤسسات والأسواق، وتمنح الإبداع فرصاً أكبر للتحول إلى نشاط اقتصادي مستدام».
وأكدت الشناصي أن بناء المستقبل لا يعتمد على العلوم التقنية والتخصصات العلمية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى الأدب والمسرح والموسيقى والفنون، لما تؤديه من دور في تنمية الوعي والخيال وتعزيز القدرة على فهم المجتمع وتحولاته، مشيرة إلى أن العمل الفني يختزل تجارب ومعارف إنسانية في رواية أو قصيدة أو مشهد مسرحي أو لوحة، بما يتيح نقل الأفكار والتجارب والتأثير في المتلقي، كما تسهم الثقافة في حفظ ذاكرة المجتمعات وتوثيق هويتها عبر الأجيال.
ودعت الشناصي إلى تطوير أعمال فنية تستلهم البيئة الإماراتية وتاريخها ومفرداتها، بدلاً من الاكتفاء بتكرار النماذج العالمية، مع الاستفادة من التجارب الدولية في التعلم والتطوير، كما استعرضت في هذا السياق مشروعاً موسيقياً تحدثت عنه خلال الجلسة، يقوم على تقديم تجربة فنية تستلهم هوية الإمارات وتعبر عن خصوصية المكان والإنسان.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن صناعة المستقبل تقوم على التكامل بين العلم والثقافة والاقتصاد، وأن الاستثمار في الأدب والفنون والمعرفة ليس نشاطاً مكملاً للتنمية، بل رافد لبناء مجتمع يمتلك أدوات التعبير عن هويته، ويحول قدراته الفكرية والإبداعية إلى قيمة مستدامة.

