أكد خالد بن جميع الهنداسي، الكاتب والباحث المتخصص في التراث، أن توثيق «الضغوة» يسهم في حفظ الذاكرة البحرية الإماراتية، بما تحمله من معارف متوارثة وقيم اجتماعية وتقاليد ارتبطت بحياة الصيادين، وأوضح أن الكتاب - الذي حظي بدعم من البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع بوزارة الثقافة - يجمع تفاصيل الحرفة وأدواتها، ومأثوراتها الشعبية في مرجع يستند إلى البحث الميداني والتوثيق العلمي الأمين، مشدداً على أهمية حماية مواقع ممارستها، وإيصال معارفها إلى الأجيال الجديدة.
ذاكرة الطفولة
وفيما يتعلق بالدافع إلى توثيق «الضغوة» قال الهنداسي، إن علاقته بهذا الموروث بدأت في طفولته، حين كان منزل أسرته في منطقة صمبريد بمدينة دبا الفجيرة يطل على البحر، حيث يشاهد والده، رحمه الله، وأعمامه وأهالي المنطقة يمارسون الصيد. واستحضر مشاهد تعاون الصيادين في إلقاء الشباك وسحبها، والأهازيج المصاحبة لعملهم، بما تعكسه من أصالة الحياة البحرية في الساحل الشرقي، وأضاف أن هذه الذكريات دفعته إلى حفظ الموروث ونقله عبر التوثيق العلمي، والبحث الميداني، وأوضح أن إعداد الكتاب جرى بروح الفريق الواحد، بمشاركة الباحثين فاطمة الجابري، وصوغة الكتبي، وحمد البدواوي، لتقديم معرفة موثقة، تتناول الضغوة وعلاقتها بالتعاون الاجتماعي والخبرة البحرية والبيئة الساحلية، آملاً أن يسهم في حفظ ذاكرة البحر في الفجيرة والساحل الشرقي، وأعرب عن أمله بأن يجد القارئ بين صفحات الكتاب معرفة علمية أمينة، وشيئاً من روح البحر التي عاشها الآباء والأجداد، في بيئة ساحلية، ارتبطت بتقاليد الصيد ومواسمه.
حياة متكاملة
وعن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للضغوة أوضح أن الصيد ارتبط بالحياة اليومية في المجتمعات الساحلية، خصوصاً في الفجيرة ودبا وكلباء وخورفكان ورأس الخيمة، وكان البحر مصدراً للرزق والمعرفة، وتعلّم الصيادون من العمل فيه الصبر والتعاون والتكيف مع البيئة، وبيّن أن الضغوة اعتمدت على العمل الجماعي، وتكامل الأدوار، وعززت الروابط الاجتماعية وقيم التكافل والمشاركة، فيما أسهمت الأهازيج في تنظيم الجهد وتخفيف مشقته، وامتد أثرها الاقتصادي إلى توفير الغذاء والرزق للأسر، وارتبط بصناعة القوارب والشباك وتجارة الأسماك، بما أسهم في تشكيل هوية المجتمعات الساحلية، وترسيخ علاقتها بالبحر.
تفاصيل الموروث
وحول المادة التي جمعها البحث الميداني أشار الهنداسي إلى توثيق أدوات الضغوة وشباكها، ووظائف البحارة وأدوارهم، ومواسم الصيد المرتبطة بحسابات الدُّور المتعارف عليها، وشمل العمل المعتقدات والأمثال والأهازيج والألعاب الشعبية، والقواعد والسنن البحرية المتبعة، والتشريعات والقرارات الوزارية المنظمة للممارسة.
وأوضح أن جمع هذه التفاصيل في مرجع واحد يربط الجوانب العملية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية للضغوة، ويحفظ المصطلحات والمعارف المهددة بالاندثار مع تراجع الحرفة، لتبقى متاحة للباحثين والمهتمين والأجيال القادمة.
تحديات التوثيق
وعن تحديات جمع الروايات الشفوية قال، إن قلة الرواة الذين عاصروا الضغوة وتقدمهم في السن استلزما سرعة المبادرة ودقة التسجيل، كما فرض تنوع البيئات الساحلية واختلاف اللهجات والمصطلحات المحلية مقارنة الشهادات والتحقق من المعلومات وفهمها في سياقها الصحيح، وأضاف أن الفريق واجه صعوبات في الوصول إلى بعض مواقع الصيد، خصوصاً مع ارتفاع الحرارة والرطوبة، وما تفرضه طبيعة العمل الميداني على أعضاء الفريق، ومن بينهم الباحثات، من مشقة في النزول إلى بعض المناطق البحرية، وأوضح في سياق متصل أن هذه الظروف تتطلب الصبر والمثابرة والاستعداد لمواجهة التحديات غير المتوقعة، خلال الزيارات الميدانية، كما أكد حرص الفريق على مواصلة التوثيق ومقارنة الشهادات المتاحة، ومراعاة الفروق بين الروايات والمصطلحات المحلية، لحفظ المعلومات بصورة دقيقة، تعكس خصوصية الموروث البحري في كل منطقة.
تحولات الساحل
وفيما يتعلق بالتحولات الاقتصادية والعمرانية والتكنولوجية أوضح الهنداسي أن إنشاء الواجهات البحرية والحدائق والمرافق السياحية والترفيهية يمثل تطوراً مهماً، لكنه ضيّق في بعض المواقع المساحات المتاحة للصيد التقليدي، فالضغوة تحتاج إلى شواطئ مناسبة لإنزال الشباك وسحبها، بمشاركة الصيادين، وبيّن أن هذه الممارسة - المعروفة محلياً بصيد «العومة البرية» - موسمية، وترتبط بظروف بحرية وبيئية معينة، ما يجعل حماية مواقعها جزءاً أساسياً من جهود المحافظة عليها، وأشار إلى أن المركبات والمعدات الحديثة والقوارب السريعة غيّرت أساليب الصيد، وفرضت احتياجات جديدة من التجهيزات والمواقع المناسبة لاستخدامها، وأسهمت في تراجع بعض الممارسات التقليدية، وحذّر من أن هذا التراجع يهدد المعارف البحرية والمصطلحات والأهازيج وقيم التعاون، مؤكداً أهمية الموازنة بين متطلبات التطور وحفظ الموروث، وضمان استمرار حضور هذه الممارسات في الذاكرة الوطنية، وإتاحة الفرصة للأجيال القادمة للتعرف إليه.
فجوات معرفية
وعن جهود توثيق التراث البحري الإماراتي أشاد بما أنجزته المؤسسات الثقافية والتراثية والباحثون والمهتمون في الجمع والتوثيق والنشر، مؤكداً الحاجة إلى دراسات متخصصة، خصوصاً في الساحل الشرقي، بخصوصيته الجغرافية والبحرية وعلاقته التاريخية بالصيد والملاحة والتجارة، وحدد موضوعات تستحق مزيداً من البحث، تشمل المهن البحرية المتراجعة، ومصطلحات الصيادين والبحارة، والأدوات التقليدية واستخداماتها، وسير الشخصيات التي نقلت المعرفة البحرية، إضافة إلى دراسات مقارنة تكشف التشابه والاختلاف بين تقاليد المناطق الساحلية، وأوضح أن تنوع القرى والبلدات الساحلية يتيح دراسة أشكال متعددة من المعرفة البحرية والممارسات الاجتماعية والمفردات المحلية، ودعا إلى الانتقال من التوثيق المتفرق إلى بناء أرشيف منظم للتراث البحري، يضم التسجيلات الصوتية والمرئية والصور والوثائق والشهادات الميدانية، مع فهرستها وإتاحتها للباحثين وفق ضوابط مهنية، بما يوفر مصادر علمية لفهم تاريخ المجتمع الإماراتي وهويته الثقافية، وأكد أن مسؤولية الباحثين تشمل بناء معرفة، يمكن للأجيال الرجوع إليها، وأن كل شهادة موثقة ومصطلح مفسر وممارسة مدروسة تضيف إلى فهم الذاكرة الوطنية.
إرث حي
وعلى صعيد تحويل المعرفة التي يقدمها الكتاب إلى إرث حي قال الهنداسي، إن ذلك يتطلب توظيفها في البرامج التعليمية والأنشطة التراثية، وإنتاج أفلام وثائقية، تسجل شهادات الصيادين وممارساتهم، وإحياء الأهازيج المرتبطة بالصيد، وأشار إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى بصري يحاكي مراحل الضغوة، وتوظيف الألعاب الإلكترونية للتعريف بالأسماك المحلية، مثل العومة والبرية، والموروث المرتبط بموسم «الجاشع أو القاشع»، بما يجمع المعرفة والترفيه، ويقرّب التراث من الأجيال الجديدة، واختتم بالتأكيد على طموح الفريق إلى مواصلة توثيق المهن البحرية، والمفردات المحلية وأدوات الصيد وتقاليد البحارة، لحفظ ذاكرة الفجيرة والساحل الشرقي، وإتاحتها إرثاً معرفياً وثقافياً، تتوارثه الأجيال.


