«الأدب والغرابة».. الخروج عن المألوف ومقاربته فكرياً

عبدالفتاح كيليطو
عبدالفتاح كيليطو

يحتل المفكر والناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو مكانة استثنائية في المشهد النقدي العربي المعاصر، إذ تميزت مشاريعه الفكرية بالقدرة على استنطاق التراث بأسئلة حديثة وعميقة، وفي كتابه «الأدب والغرابة:

دراسة بنيوية في الأدب العربي» يضع كيليطو القارئ أمام مهمة جوهرية، فكل حكاية تحمل في ترتيبها وصمتها، وطريقة انتقالها بين الأصوات، ما يستحق الفحص والمساءلة، من هنا يتعامل الكتاب مع الأدب بوصفه ممارسة واعية تعيد النظر في الموروث، وتستخرج من النصوص القديمة أسئلة فنية لا تنتمي إلى زمنها التاريخي وحده.

وينقسم الكتاب إلى قسمين متداخلين يكمل أحدهما الآخر، إذ يقترب الأول من المفاهيم التنظيرية الكبرى مثل النص والأدب والنوع والسرد، بينما ينتقل في الثاني إلى قراءة تفكيكية تطبيقية لنماذج راسخة من التراث العربي، فيتوقف عند «أسرار البلاغة»، و«مقامات الحريري».

و«مقامات الزمخشري»، وحكاية السندباد في «ألف ليلة وليلة»، غير أن هذا التقسيم لا يفصل المفهوم عن التطبيق، فكل فكرة يطرحها كيليطو سرعان ما تعود لتختبر كفاءتها الإجرائية داخل حكاية، أو صياغة بلاغية، أو لعبة لغوية مراوغة.

كما تظهر الغرابة في مشروع كيليطو في اللحظة التي يتعطل فيها التلقي السلبي، حين تبدو الكلمة المألوفة حُبلى بظلال دلالية أخرى، وحين يكشف الراوي أن الحكاية لا تتحرك في خط مستقيم، بل عبر الالتواء والتأجيل وتعدد الأصوات، من هذا المنظور، تخرج المقامة من شرنقة كونها مجرد حكاية طريفة عن بطل محتال.

ويغدو السندباد أكثر من مسافر يعود كل مرة بحكاية جديدة، لأن البنية السردية نفسها هي من يخلق قلق القراءة، وتتضح قيمة الكتاب في عنايته بالسرد العربي من داخله، مستفيداً من أسئلة النقد الحديث دون إخضاع التراث لقوالب جاهزة.

وفي سياق متصل، تبدو قراءته للحريري والجرجاني بحثاً أصيلاً في طرائق صناعة الكلام، وفي السلطة الرمزية التي يمنحها الراوي لنفسه حين يمتلك حق اختيار بداية الحكاية ونهايتها.

وتلخص عبارته «وظيفة السرد هي إعادة التوازن لعلاقة مختلة» جانباً مركزياً من مشروعه، فالحكاية تتحرك حين يختل ترتيب ما في الواقع أو المتخيل، لتمنح الكلام فرصة لإعادة توزيع موازين القوة بين من يتكلم ومن يصمت،.

ويبقى الكتاب أداة تدرب القارئ على الإصغاء لما يفعله النص وهو يحكي، وتجعل التراث كائناً حياً حاضراً داخل وعي القراءة، لتصبح القراءة نفسها فعل مقاومة يعيد النص إلى الحياة في كل مرة..!

أروقة الفلسفة

«إن الأدب يقوم أساساً على الغرابة والانزياح، فبينما يميل الـلا أدب إلى الألفة ومحاكاة اليومي، يطمح الأدب الحقيقي دائماً إلى دهشة المتلقي عبر تقديم المألوف في ثوب غريب، يُعيد صياغة رؤيتنا للعالم».