ينتهي اليوم بعد صلاة العشاء وحان الوقت لبعض الترفيه، تشغل الجهاز لمشاهدة فيلم تتعامل معه على أنه مهرب من زحام حياتك اليومية. فجأة يرن إشعار واتس آب! شخص يريد التحدث الآن.
رنة أخرى تسأل أين ستتناول عشاءك؟ رنة أخرى وشخص يسأل عن موضوع، فضلاً عن أشخاص في مجموعات يتناقشون في أمر. هذا كله حدث لحظة الضغط على زر تشغيل الفيلم.
لو رددت على كل واحد، فعليك أن تنسى مشاهدة الفيلم، وإذا لم ترد، فجهز نفسك لتأليف أعذار ومبررات؛ لأنه لن يسامحك أحد على عدم الرد عليه من أجل فيلم. والواتس آب نفسه خلق حالة إلحاح على الرد لدى بعض المرسلين وإن لم ترد فقد تجد اتصالاً.
ناهيك عن الاشتراكات في بعض الخدمات الإخبارية العالمية التي لو كانت أمريكية فهذا وقتها تماماً، لأن أمريكا تستيقظ السادسة مساء بتوقيت الإمارات وتصل ذروة نشاطها الساعة التاسعة مساء.
عملية الرد على واتس آب منهكة جداً ومشتتة للانتباه لأن كل محادثة هي موضوع والمحادثات تخلط المواضيع الخاصة بالنقاشات الجماعية والشخصية بتلك المتعلقة بالعمل. وربما لم يحدث في التاريخ البشري من قبل أن اجتمعت محادثات متنوعة بهذا الشكل في جهاز واحد يوضع في الجيب.
قرار تأخير مشاهدة الفيلم إلى العاشرة ليلاً قد يحمل كثيراً من الحكمة في هذا الزمن، لأن الأفراد يهدؤون بعض الشيء، والأكثر حكمة تأخيره إلى الـ11 مساء في أيام الإجازات الأسبوعية.
نتذكر أنه خلال الثلاثين عاماً الماضية لم نمر بحالة من الضوضاء الرقمية التي نعيشها اليوم. نتذكر جيداً أنه في بدايات سنوات الألفية كنا نشاهد الأفلام في المنزل بلا مشتتات رقمية، لو شاهدنا فيلماً مدته ساعتان فإننا ننتهي منه بعد ساعتين من تشغيله. قس ذلك على ما يحدث اليوم، تشاهد بالكاد 10 دقائق ثم تبدأ عملية الرد على واتس آب لتطييب خواطر الأعزاء من المرسلين وحتى لا يفهموا أنك تتجاهلهم من أجل «فيلم».
وتوقف الفيلم عدة مرات للرد على السيول الجارفة من الرسائل أو للتأكد من أن أحداً لا يتحدث معك. ينتهي الفيلم بعد مرور ثلاث ساعات حتى لو مدته ساعة ونصف الساعة. والمشكلة أنك ببساطة لا تتذكر تفاصيله ولم تعشه وأخمدت الضوضاء الرقمية مشاعرك، التي من دونها لا يمكن لأي فيلم أن يكون تجربة.
إن هذه المقاطعة المستمرة لا تفسد متعة العرض فحسب، بل تعيد هندسة وعينا تجاه الزمن الفراغي. فعندما يتحول الهاتف المحمول إلى غرفة إرسال واستقبال مفتوحة على مصراعيها طول ساعات المساء، فإننا لا نفقد التركيز فحسب، بل نفقد القدرة على «الاستغراق».
السينما في جوهرها تتطلب عقداً ضمنياً بين المشاهد والشاشة: عقد قوامه العزلة الطوعية والالتزام بالظلام المحيط، لكن حضور واتس آب الدائم يمزق هذا العقد ببرودة، مذكراً إياك بأنك لست وحيداً، وأن العالم الخارجي يرفض أن يتركك وشأنك ولو لمدة مائة وعشرين دقيقة.
وهنا يبرز التحول الخطِر في طبيعة الترفيه المنزلي؛ فقد كان المنزل تاريخياً ملاذاً آمناً للهروب والانفصال المؤقت عن صخب الواقع.
اليوم، وبسبب هذه التطبيقات، تحولت صالات المنازل إلى امتداد لمكان العمل والشارع والساحة العامة. لا توجد حدود فاصلة؛ إذ تقتحم الرسائل اللحظية طقوسنا الخاصة لتفرغها من محتواها الإنساني. إن محاولة الاستمتاع بعمل سينمائي في ظل هذا الطنين الرقمي تشبه تماماً محاولة تأمل لوحة فنية بديعة، في حين يقف أحدهم بصخبه بجوار أذنك طول الوقت.
والأدهى من ذلك هو التكلفة النفسية الخفية لهذه المقاطعات. فعندما تنتهي من الفيلم بعد ثلاث ساعات من التوقف والتنقل بين الشاشات، تخرج بشعور غريب من الإرهاق الذهني يشبه ذلك الذي تختبره بعد اجتماع عمل طويل، لا شعور الانتعاش والدهشة الذي تفترضه التجربة الفنية. لقد تم استنزاف طاقتك العاطفية في إدارة التوقعات الاجتماعية الملحّة للآخرين، ولم يتبقَ في جعبة مشاعرك ما تتفاعل به مع ذروة دراما أو نهاية مؤثرة.
تقول عالمة الاجتماع البارزة شيري تيركل الأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والمهتمة بدراسة تأثير التكنولوجيا على العلاقات البشرية والوعي الفردي في كتابها الشهير (Alone Together):
«لقد صُممت التقنيات الحديثة، وخاصة تطبيقات التواصل الفوري، لتبقينا في حالة تشتت دائم ومزمن. نحن نعيش الآن في بيئة تفترض أننا متاحون للآخرين في كل ثانية، ما حرمنا من القدرة على العزلة والتأمل اللذين يشكلان الجوهر الحقيقي للاختبار البشري العميق والذوق الفني».
كما يشير علماء الاجتماع وخبراء الاتصال الرقمي إلى أن ظاهرة «الخوف من تفويت الشيء» (FOMO) إلى جانب «إكراه الاستجابة الفورية» قد قضتا على مفهوم وقت الفراغ النقي، حيث تحول الهاتف من أداة تواصل تخدم الإنسان إلى قيد رقمي يتحكم في إيقاع حياته اليومية.


