حين تضيق القوالب عن اتساع الفكرة، يبحث الأدب عن ممرات جديدة تعبر به إلى القارئ. وفي زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتتبدل طرائق التلقي، لم يعد النص أسيراً لجنس أدبي واحد، بل بات مساحة مفتوحة تتجاور فيها الحكاية مع الشعر، والتأمل مع اليوميات، والواقع مع الخيال، في كتابة تتشكل بقدر ما تكتشف ذاتها.
ومن هذا الأفق، تبرز تجارب أدبية إماراتية شابة تنحاز إلى المغامرة، وتختبر حدود المألوف، بحثاً عن أشكال أكثر مرونة وقدرة على ملامسة حساسية العصر.
وبين «أدب الكتابات العابرة» لدى أمل السهلاوي في كتابها «القطار الليلي للأفكار التي لا تنام»، وعوالم جمال الزيودي التي تتكئ على الخيال والغموض والتشويق في كتابه «الوحدة»، تتجلى محاولتان مختلفتان في الأدوات، تلتقيان في الرغبة ذاتها: أن يظل الأدب مساحة حرة للاكتشاف، وأن يجد النص شكله في الطريق، لا في القالب الجاهز.
وفي هذا السياق، أكدت الشاعرة والكاتبة أمل السهلاوي، لـ«البيان»، أن الأدب والفن يمثلان مساحة شاسعة للابتكار والاستكشاف وتجريب الأصناف الأدبية المختلفة وتحسس حدودها، مشيرةً إلى متعتها في اكتشاف عالم لا نهائي يتيح لها ممارسة التخيل والوصف وتحليل الأفكار وإعادة تركيبها بما يتناسب مع طريقتها في الفهم والتعبير.
وأوضحت السهلاوي أن مفهوم «أدب الكتابات العابرة» الذي أطلقته، يُعد سبيلاً جديداً لإعادة تقديم التراث الإنساني في شكل أدبي مكثّف بالمعنى يلائم سرعة العالم المعاصر.
مضيفةً أن وضع هذا النوع تحت اسم معين يهدف إلى منح الآخرين الشجاعة اللازمة لاختياره والكتابة من خلاله إذا وجدوا فيه ملاذاً آمناً لأفكارهم، مؤكدةً الحاجة اليوم إلى شجاعة اعتناق الطرق غير المألوفة لإعادة ابتكار النص الأدبي وضمان خلوده وقدرته على النفاذ إلى تفاصيل وجدان الناس وحياتهم.
وحول الحدود الفاصلة بين الخاطرة والنص الأدبي والكتابة العابرة، أشارت إلى أنها ما زالت تستكشف هذا الفرق وتصنعه من خلال ما تكتبه.
وأفادت بأن ما يُميّز «أدب الكتابات العابرة» هو العمق الذي يتركه دون محاولة فرض آراء أو توجيه القراء إلى وجهة فكرية محددة، بل يمنح القارئ المساحة والاستقلالية لاستنباط آرائه الخاصة عبر نص مكثف وقابل للقراءة من اتجاهات متعددة.
كما كشفت عن عملها الحالي على دراسة هذه التجربة لإصدار أعمال تتناول هذا الصنف الأدبي، الذي تتوقع له مستقبلاً مهيمناً في المشهد الأدبي.
وفيما يتعلق بمستقبل هذا المفهوم، بينت أمل السهلاوي أن «أدب الكتابات العابرة» يمر حالياً بمرحلة «طور التشكّل»، مشددةً على أن تحديد مصيره يستند إلى المحاولات الجادة للتخصص فيه.
واختتمت تصريحها بالإشارة إلى أن الكتّاب أنفسهم هم من سيحددون ما إذا كان هذا النوع الأدبي قابلاً للنمو والاستلهام والنقد والبقاء، أم أنه سيكون مصيره الانقراض.
طاقة مستمرة
من جانبه، أكد الكاتب جمال الزيودي أن خياله الأدبي يمثل طاقة مستمرة لا تتوقف عند حدود معينة، مشيراً إلى أنه يسعى دائماً لترجمة الأفكار التي تدور في مخيلته بأسلوب خيالي و«فانتازي» يقرّب النص من ذائقة القارئ، موضحاً أنه يحرص في معظم أعماله على مزج عناصر الرعب بالطرح التشويقي؛ بهدف جذب القارئ ودفعه للتعمق في تفاصيل العمل السردي.
وفيما يتعلق بأسلوبه الكتابي والخروج عن القوالب التقليدية، بيّن الزيودي أنه يفضّل التعبير بأسلوب مختلف وغير تقليدي وبشكل طبيعي ومبتكر.
مشيراً إلى إيمانه الراسخ بأن التجارب الحياتية التي يخوضها المرء هي الصانع الحقيقي لتفرد الإنسان وتميزه عن الآخرين، مؤكداً أنه يتمسك بحريته الكاملة في التعبير ليظل متفرداً في أدواته الأدبية.
وحول توظيف الأحداث الشخصية والذكريات في رواياته، أشار إلى أنه يميل إلى توثيق مواقفه الشخصية من خلال إضفاء لمسات خيالية ومشوقة عليها، تضع القارئ في حالة من الشغف والترقب للوصول إلى الخاتمة، مضيفاً أن كتاباته تسبح في جو مفعم بالأحداث واللحظات المشحونة بالمشاعر المتباينة، وأنه كاتب يعشق الغموض ويبحر في عوالم الخيال الواسع الذي لا يحدّه أفق.





