ثمة أخبار لا تكتفي بأن تفاجئك، بل تفتح في الذاكرة باباً ظننته موارباً منذ زمن. هكذا استقبل المهتمون بالفن السابع، خلال اليوم الختامي لقمة الإعلام العربي 2026، إعلان معالي منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي إلى الحياة، في دورته الخامسة عشرة يوم 8 ديسمبر من العام المقبل، بعد عقد على دورته الأخيرة عام 2017.
كان هذا الإعلان من مجلس دبي للإعلام، أحد أكثر أحداث القمة مفاجأة ودلالة، فهو لا يعيد إلى أجندة دبي حدثاً فنياً كبيراً فحسب، بل يطلق وفق رؤية جديدة مشروعاً ثقافياً وإبداعياً ترك أثراً في صورة المدينة وحضورها العربي والعالمي.
عودة الشغف
لم يغادر المهرجان ذاكرة دبي وروادها من مختلف أصقاع الأرض، كان موعداً سنوياً ينتظرونه بشغف، ويشاهدون على شاشاته حيوات أخرى في حياة واحدة، وكأن آخر عرض شاهدوه فيه كان بالأمس.
تابع محبو السينما في الإمارات والعالم المهرجان منذ انطلاقته الأولى حتى دورته الأخيرة، وواكب فعالياته نقاد وصحافيون من مختلف الوسائط الإعلامية بمقالات وتحقيقات عن عروضه وفعالياته، وحوارات مع ضيوفه من سينمائيين ومخرجين وممثلين ومخرجين. ورافقوا بكل الحماس والبهجة حفلات الافتتاح وأمسيات الختام.
لذلك لم يكن إعلان العودة بالنسبة لمن عاصر دورات هذا الحدث العالمي خبراً عن عودة مهرجان فحسب، بل كان استعادة لجزء من ذاكرة مهنية وشخصية عاشوا تفاصيلها على مدى دوراته المتعاقبة.
بين المهرجان والصناعة
لكن الإعلان ذاته يستحق أن نتوقف عنده، بعيداً قليلاً عن الذاكرة والحنين. فالحديث عن العودة، كما قُدّم في قمة الإعلام العربي، لا يبدو استعادة لمهرجان بصيغته القديمة، بقدر ما هو إعلان بداية مرحلة جديدة تستند إلى ما راكمه طوال أربع عشرة دورة، وتنطلق منه إلى مشهد سينمائي تبدّل كثيراً خلال سنوات الغياب.
ولعل العبارة التي قالتها معالي منى غانم المري، تختصر فلسفة هذه العودة: «لا نعيد الماضي بل نبني على إرثه».
والفرق كبير بين أن نستعيد الماضي، وأن نبني على إرثه. فالإرث الذي تركه مهرجان دبي السينمائي ليس اسماً بقي في الذاكرة، ولا صور نجوم عبروا سجادته الحمراء فحسب، إنه رصيد من الأفلام والمواهب والعلاقات والشراكات، ومن الحضور الذي صنع لدبي مكانتها على الخريطة السينمائية العربية والعالمية. ومن هنا تبدو الدورة الخامسة عشرة امتداداً لذلك الرصيد، ولكن برؤية تتعامل مع صناعة سينمائية تغيرت أدواتها وأسواقها وطرق وصولها إلى الجمهور.
وتزداد دلالة الإعلان مع عبارة أخرى لمعالي منى المري، إذ قالت: «نريد أن نبدأ من هنا... من قصصنا».
وهنا لا بد من التوقف عند كلمة «قصصنا» تحديداً، لأنها تنقل الفكرة من استضافة السينما إلى المشاركة في صناعتها؛ من مجيء الأفلام إلى دبي، إلى انطلاق حكايات المنطقة ومواهبها من هذه المدينة نحو العالم. وهي فكرة عرفها المهرجان منذ بداياته، حين سعى إلى منح السينما العربية نافذة، لكنها تعود اليوم بطموح يتجاوز النافذة إلى بناء الطريق نفسه.
ولهذا تبدو العبارة الأخرى في الإعلان: «منظومة تجمع المخرج بالمنتج، والموهبة بالمستثمر، والفكرة بالسوق»، أكثر من مجرد توصيف لبرنامج مهرجان. إنها عبارة تتحدث عن سلسلة كاملة تبدأ بالفكرة، ثم بالموهبة القادرة على تحويلها إلى فيلم، فالمنتج والمستثمر، وصولاً إلى السوق والجمهور.
هنا يصبح الحديث عن «بناء صناعة» مفهوماً. فالمهرجان، مهما كان ناجحاً، تنتهي أيامه وتُطفأ أنوار شاشاته إلى دورة أخرى، أما الصناعة فتبقى بين دورتين: في فيلم يُكتب ويُنتج، وموهبة تُكتشف، وشراكة تولد، واستثمار يجد مشروعه، وقصة محلية أو عربية تعثر على طريقها إلى العالم.
اقتصاد إبداعي
ولعل هذا هو المدخل الأهم لفهم عودة مهرجان دبي السينمائي في هذا التوقيت. فالعودة لا تأتي منفصلة عن رؤية اقتصادية وإبداعية أوسع تبنتها دبي خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2021، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، واضعاً الإبداع في قلب اقتصاد المستقبل، ومستهدفاً رفع مساهمة الصناعات الإبداعية في الناتج المحلي للإمارة من 2.6 في المئة إلى 5 في المئة، وزيادة عدد الشركات والمؤسسات الإبداعية من 8300 إلى 15 ألفاً، ومضاعفة عدد الوظائف التي يوفرها القطاع من 70 ألفاً إلى 140 ألفاً.
ولم تكن السينما بعيدة عن هذه الرؤية، فهي واحدة من الصناعات التي يشملها مفهوم الاقتصاد الإبداعي، إلى جانب الإعلام والنشر والموسيقى والفيديو والتصميم والألعاب وغيرها. ومن هنا يمكن قراءة عودة المهرجان بوصفها جزءاً من مشهد أكبر، تتحول فيه الثقافة والفنون من نشاط يضيف إلى صورة المدينة فحسب، إلى قطاع ينتج قيمة اقتصادية، ويستقطب المواهب والاستثمارات، ويخلق فرص العمل، ويفتح أسواقاً جديدة.
وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد لخّص هذه الرؤية عند إطلاق الاستراتيجية بقوله «إن الإبداع جزء من اقتصادنا ومن جودة حياتنا ومحرك رئيسي لمستقبل بلادنا». وهي عبارة تكتسب اليوم دلالة إضافية مع عودة المهرجان؛ فحين نتحدث عن ربط المخرج بالمنتج، والموهبة بالمستثمر، والفكرة بالسوق، فإننا نتحدث، في الحقيقة، باللغة نفسها التي يقوم عليها الاقتصاد الإبداعي: تحويل الفكرة والموهبة إلى قيمة، وتحويل الإبداع من فعل فردي إلى صناعة مستدامة.
وبهذا المعنى، لا تبدو عودة مهرجان دبي السينمائي حدثاً منفرداً في أجندة ثقافية، بل حلقة في مشروع أشمل يريد للمدينة أن تكون مكاناً تُنتج فيه الأفكار والحكايات، وتلتقي فيه الموهبة برأس المال والسوق، قبل أن تنطلق إلى العالم.
ذاكرة المكان
وعند هذه النقطة بالذات، تعيدنا العودة إلى البدايات.
إلى مدينة جميرا، والقاعات التي كنا ننتقل بينها، والوجوه التي كانت تخرج من الشاشة لتجلس أمامنا...
كان ذلك المكان الفسيح يبدو كمدينة داخل المدينة. الممرات المائية والقوارب الصغيرة، وأضواء المساء المنعكسة على الماء، وبرودة شهر ديسمبر التي تمنح دبي شيئاً من شتائها النادر والأجمل في العالم.
وبين قاعة وأخرى، كانت الوجوه تتقاطع، واللغات تختلط، والحوارات تبدأ عند باب عرض وتُستكمل في ردهة أو مقهى، فيما تبقى السينما هي الخيط الذي يجمع الجميع.
كنا نذهب إلى هناك بوصفنا صحافيين لكننا كثيراً ما كنا نخرج من قاعات العرض متفرجين حملوا معهم حياة أخرى. بعض الأفلام كان يأخذنا إلى مدن لم أزرها، وبعضها إلى حروب وبيوت وعائلات وحكايات تشبهنا، وأخرى إلى مصائر بشر لا نعرفهم، لكننا نغادر الصالة وفي داخلنا شيء منهم. كان المشهد أشبه بحياة طويلة مختزلة؛ فنحن نجلس ساعتين أمام شاشة، ونخرج وقد عشنا أعماراً لا تخصنا وحدنا.
ولم تكن الأفلام وحدها ما يمنح المهرجان خصوصيته. كان من الجميل أن ترى المخرج الذي شاهدت اسمه قبل دقائق على الشاشة يمر أمامك، أو أن تجلس إلى ممثل أو سينمائي قادم من بلد بعيد، فتتحول المسافة التي صنعتها الشاشة بينك وبينه إلى مصافحة وحديث وحوار صحافي. كانت تلك اللقاءات جزءاً من روح المهرجان، بقدر ما كانت العروض نفسها جزءاً منها.
وعاماً بعد عام، كانت السجادة الحمراء تستقبل نجوماً وصنّاع أفلام من أنحاء العالم، لكن خلف أضواء الافتتاح والختام كان ثمة عمل آخر أقل بهرجة وأكثر بقاءً: أفلام عربية تجد جمهوراً جديداً، ومخرجون شباب يجدون مساحة للظهور، ومشروعات تبحث عن منتجين وموزعين، وحوارات مهنية تنشأ بعيداً عن عدسات المصورين.
وغني عن القول إن مسابقات المهرجان بفئاتها المتعددة، وبرامج دعم السينما العربية، كانت جزءاً من ذلك المسار. لم تكن هذه المسابقات مجرد تتويج لأفلام مكتملة، بل أداة لتحفيز صناعة كاملة؛ جوائز تُخصص للأفلام الإماراتية الناشئة، وأخرى للسينما العربية عموماً، وثالثة للإنتاج الآسيوي والأفريقي، بحيث لا تقف السينما العربية إلى جوار السينما العالمية في برنامج واحد فحسب، بل تحصل على مساحة تستطيع من خلالها أن تقول حكاياتها بصوتها، وأن يلتقي أصحابها بمن يمكن أن يحمل تلك الحكايات إلى شاشات أبعد وشعوب أكثر.
وكنا نلمس، من خلال فعاليات المهرجان وفقراته، رسالة تتكرر بصيغ مختلفة: دبي ليست أبراجاً ومشروعات واستثمارات فقط. كانت المدينة تريد أن تقول إن لها وجهاً آخر أيضاً؛ وجهاً يصنع مكاناً للفن والثقافة والسينما، ويضع الحكاية الإنسانية إلى جوار الحكاية الاقتصادية والعمرانية التي عرفها العالم عنها.
وبهذا المعنى، تمكن المهرجان، على مدى أربع عشرة دورة، من أن يصبح جزءاً من هذه الصورة. فكما كانت دبي تستقطب رؤوس الأموال والمشروعات والباحثين عن فرص جديدة، كان مهرجانها السينمائي يجتذب مخرجين وممثلين ومنتجين ونقاداً وأفلاماً وحكايات جاءت من جهات العالم الأربع. وكان اللقاء بين هؤلاء وبين السينمائيين العرب والإماراتيين يضيف إلى المدينة شيئاً لا تقيسه أرقام شباك التذاكر ولا عدد النجوم على السجادة الحمراء.
كان يضيف إليها ذاكرة.
ولهذا، عندما توقف المهرجان بعد دورته الرابعة عشرة، غابت الشاشات والمواعيد السنوية، لكن تلك الذاكرة لم تغب.
واليوم، حين يعود الحديث عن دورة خامسة عشرة، لا نستعيد مدينة جميرا وحدها، ولا تلك الليالي والأفلام والوجوه التي عبرتها. نفكر أيضاً في السؤال الأهم: أي مهرجان سيعود بعد عشر سنوات، وأي سينما يريد أن يصنع لها مكاناً في دبي؟
قصصنا إلى العالم
فالمشهد الذي سيعود إليه مهرجان دبي السينمائي في 2027 ليس هو المشهد الذي غادره في 2017.
خلال عقد واحد تبدلت صناعة السينما كثيراً؛ تغيرت طرق الإنتاج والتوزيع والمشاهدة، واتسعت سطوة المنصات الرقمية، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى مساحات متزايدة من العمل الإبداعي، وأصبحت المنافسة أشد على المحتوى والموهبة والاستثمار.
ولهذا فإن المهرجان العائد لا يريد أن يكون نسخة من مهرجان غادرناه قبل عشر سنوات. وإذا كانت المرحلة الجديدة تنطلق من فكرة «قصصنا»، فإن السؤال يصبح: من يروي هذه القصص، ومن يمنحها فرصة أن تتحول من فكرة أو سيناريو إلى فيلم يجد طريقه إلى الشاشة والجمهور؟
هنا لا مناص من التأكيد على ضرورة حضور ومشاركة السينما الإماراتية، ومعها المواهب السينمائية المقيمة في دبي والإمارات، في قلب المرحلة الجديدة. فقد تابعنا، خلال سنوات مسيرتنا المهنية، تجارب لمخرجين وممثلين وكتّاب وفنيين إماراتيين ومقيمين، وشاهدنا أفلاماً قصيرة ووثائقية وروائية كشفت عن مواهب حقيقية تحتاج، أكثر ما تحتاج، إلى منظومة تمنحها الاستمرارية والفرصة والطريق إلى السوق.
وإذا كان الطموح هو أن يلتقي المخرج بالمنتج، والموهبة بالمستثمر، والفكرة بالسوق، فإن الفكرة المحلية ينبغي أن تجد مكانها في بداية هذه السلسلة. وإذا كانت الرحلة الجديدة تريد أن تبدأ «من قصصنا»، فهذه القصص موجودة بالفعل؛ في المدينة، والمجتمع، وذاكرة الناس الذين يعيشون على هذه الأرض الطيبة، وفي التحولات الإنسانية والاجتماعية التي شهدتها الإمارات خلال عقود قليلة.
فالمدينة التي استطاعت أن تكون ملتقى ثقافات وجنسيات وتجارب إنسانية شديدة التنوع، تحمل في داخلها مخزوناً هائلاً من الحكايات. وما تحتاج إليه السينما ليس اختراع هذه الحكايات، بل اكتشافها ومنح أصحابها الأدوات التي تجعلها قابلة لأن تُروى بالصورة، وأن تسافر بعد ذلك إلى الآخرين.
ومن هنا أيضاً تكتسب عودة المهرجان معناها الأبعد. فنجاح الدورة الخامسة عشرة لن يكون في عدد الأفلام التي تعرضها أو النجوم الذين يمشون على سجادتها الحمراء وحده، وإنما في ما يمكن أن تتركه بعد أن تنطفئ أضواء تلك الدورة: فيلم بدأ من هنا، أو مخرج وجد فرصته، أو موهبة التقت بمن آمن بها، أو قصة محلية عبرت من دبي إلى شاشة في مكان آخر من العالم.
عندها يصبح «البناء على الإرث» أكثر من عبارة في إعلان العودة؛ يصبح امتداداً طبيعياً لما بدأه المهرجان قبل أكثر من عقدين، ولكن بلغة المستقبل.
أما من عاشوا يوميات دوراته الأربع عشرة صحافيين ونقاداً ومهتمين، فلا يبحثون في عودته عن استعادة تلك السنوات كما كانت. يكفي أن تبقى منها الذاكرة، وأن يعود المهرجان قادراً على صناعة ذاكرة جديدة لجيل آخر.
فالسينما حياة مكثفة. والحكاية التي نراها على الشاشة قد تنتهي بعد ساعتين، لكنها تستطيع أن تعيش فينا سنوات.
غاب المهرجان عن الشاشة، لكنه لم يغادر الذاكرة. وفي 8 ديسمبر 2027، تبدأ الحكاية فصلها الخامس عشر؛ لا باستعادة الماضي كما كان، بل بالبناء على إرثه ورؤية الغد.



