دبي في سرد محمد المر.. سير جماليات المكان بأمداد الصدق والقيم الإنسانية

تغدو سير المكان التاريخية وتفاصيل تطوره وحكايات أهليه نابضة بروح شفيفة توشيها ألوان الجذب والمعاني الإنسانية الشائقة، بينما تتبدى في قمصان أدب ماتع رفيع، يحفل بالصور الإبداعية والمعاني العميقة.

كما حال قص الأديب معالي محمد المر، الذي صور عبر مكون نتاجاته، بإتقان وصدق وتشويق، وقائع وسرديات إمارة مثلت منذ قرون حاضرة عالمية جمعت ثقافات المعمورة تحت خيمة التسامح والتقارب والجمال.

بالطبع، ليس خافياً أن تاريخ ومكنون مجتمع دبي في أدب معالي محمد المر متمايز لماح، لا يعترف بجمود الصيغة التوثيقية، فهو مضمخ بأعطار الملامح الإنسانية التي روى معها الكاتب تاريخاً آخر للمكان من خلال شخوصه، راصداً في الوقت نفسه أحواله وسماته ومحطات تطوره وحوادثه بحرفية إمتاع تفيض معها أجساد قصصه، وهو العاشق لدبي والمسكون بإمارات الخير.

بالاستعارات والصور البلاغية والتخييلية البديعة الثاوية في ثنايا مجريات حبكات أخاذة تنبئنا بما كان وبما صار، ذاك بينما هي ترتحل بنا في فضاءات أدبية أخاذة نشعر خلالها أنها تلامسنا وتحكينا وتتكلم عما يحيط بنا.

ولكون القراءة في عوالم سرد معالي محمد المر تجربة لا تداني سحرها أي ارتحالات أخرى، اختار معرض أبوطبي للكتاب، أمس، أن يجعل جمهوره يختبرها عن كثب في جلسة حوارية ضمن جناح (أعلام الإمارات).

عنوانها (دبي في سرد محمد المر)، تحدث فيها الأديب بلال البدور، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، والشاعر علي الشعالي، وأدارتها الشاعرة شيخة المطيري.

وذلك بحضور معالي محمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد، ومبارك الناخي، وكيل وزارة الثقافة، والأديب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي، والدكتور صلاح القاسم، وعدد من البحاثة والمثقفين.

استهلت شيخة المطيري الجلسة بنبذة عن حياة ومسيرة المر الإبداعية، مستعرضة دوره في إثراء الحراك الثقافي الإماراتي، ومشيرة إلى أهمية منجزه الأدبي وقدرته على تحفيز الشباب الإماراتيين ليخوضوا ميادين العمل الثقافي بثقة وإقدام.

أوضح بلال البدور في بداية حديثه أن علاقته بمعالي محمد المر قديمة راسخة الجذور، فهي علاقة صداقة تضفرها أزاهير الأدب وتنبض بأسحار وبهاء دبي، فهما- كما قال - أبناء جيل واحد، وشاهدان على سيرة تقدم المكان وطبيعة جذوره والتغييرات التي طالته. وتابع البدور: يكبرني معالي محمد المر سناً..

وكذا ثقافة وفكراً. ومنه تعلمت الكثير. ولا شك أن المتبحر في عوالم قصصه، وأدبه في العموم، من أبناء جيلنا، سيدرك أنه يقرأ عن جملة حكايات وأحوال عايشها وخبرها، كانت معروفة لدينا في تلك المرحلة.

إن المر كتب قضايا مجتمعه بشفافية وشغف، وبحبر القلب.. فنجح في جعل الأحاديث والسير التي كنا نرددها في المجالس وفي المقهى تحل في قمصان أدبية بهية ساحرة، ليصوغ، في نهاية المطاف، وثيقة تاريخية للمكان، دبي الانفتاح والخير، واقية وماتعة وتفصيلية.

واستطرد: إن روائع سردية دبي في أدب معالي محمد المر موشاة بغنى فكره ورؤيته، فهو من تربى على حب القراءة والاطلاع، ومن شغلته، مبكراً، ثنائية عشق الوطن والثقافة، فلطالما كان يمضي أوقاته كلها في المكتبة الأهلية والمكتبة العامة، بموازاة تعلقه بجذوره وبرائحة البحر وبجماليات المكان / الوطن.

وأعتقد جازماً أن هذا النتاج الأدبي رصد خيوط وأعماق محطات تطور مجتمعنا وما مر به من صعوبات وما بلغه من نجاحات، وخليق بالوزارات والهيئات المتخصصة أن تقدمه لأجيالنا الشابة بالأشكال والقوالب العصرية المناسبة، كي تعرفها بتاريخها وبما عاشه وعايشه أهلها.

كما تطرق البدور إلى الإسهام النوعي لمعالي محمد المر في تأسيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وإثرائه برامجها الفكرية وممارساتها وتوجهاتها، عبر محطات ارتقائها وعطائها.

هوية وهاجس ومزية

ركز علي الشعالي في مشاركته بالجلسة على تبيان الدور الفاعل لمعالي محمد المر في تشجيع الشباب الإماراتيين المبدعين في حقول العمل الثقافي، موضحاً قيمة تنوع وسعة تجربة المر الأدبية.

والتي تشمل صنوف الفنون التشكيلية والمسرح والقص وأدب الرحلة، وسوى ذلك. وبين الشعالي ما ينطوي عليه سرد المر من مزايا خاصة، لافتاً إلى دقة وصفه لشخصيات أعماله، وحرصه على تتبع مساراتها ومصائرها بشكل يبعث على الدهشة ويجعلنا نختبر متعة سردية لا تضاهى.

وأضاف: إن هوية المكان أساس وضاح في معمار سرد الأديب محمد المر. كما نجده لا يغفل توصيف أدق التشابكات في كتابته عن متواليات حقب التطور المجتمعي، مستخدماً لغة صادقة هاجسها وشأوها التمسك بالترابط المجتمعي في الحي الإماراتي.. وصون القيم والانتصار للإنسان.

كما استشهد الشعالي في توصيفه للبنية السردية الفريدة الملهمة في أدب معالي محمد المر بمجموعة من عناوين قصصه، إلى جانب مقاطع عديدة منها، قرأها خلال الجلسة.