في مرحلة جديدة تعيد صياغة المشهد التنموي، لم تعد القرى الإماراتية مجرد مساحات حجرية تتباهى بعمرانها الحديث، بل غدت شواهد حية على تحول استراتيجي ينقل الاستثمار من البناء المادي إلى الاستثمار في الإنسان وفكره الإبداعي.
ومع إطلاق وزارة الثقافة «مبادرة الإبداع في قرى الإمارات»، تتكشف ملامح نهضة ثقافية شاملة تجعل من ذاكرة الأمكنة وحكايات الأجداد شرياناً ينبض بالفن، ومحركاً حيوياً لتعزيز الهوية الوطنية والتنمية المستدامة.
وفي هذا التقرير، يلتقي نبض المبادرة بتطلعات نخبة من المبدعين والباحثين الإماراتيين، الذين يؤكدون عبر تصريحاتهم أهمية هذه الخطة الوطنية في صون التراث وتجسيد إرث الأجداد برؤية معاصرة.
فبين أهازيج «البيدرة» وزخارف «السدو»، وحكايات البيوت القديمة بين الجبال والواحات والشواطئ، تتضافر الرؤى لتتحول القرى إلى متاحف مفتوحة ووجهات ثقافية تخاطب العالم بلغة الفن والإبداع.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب والباحث في التراث الدكتور حمد بن صراي، لـ«البيان»، أن الاستثمار في الثقافة والتراث يمثل أعظم أنواع الاستثمار وأكثرها ثباتاً، مشيراً إلى أن المنتج الثقافي يتفوق في أثره على البناء المادي، لما يمتلكه من قدرة على الترسخ في بنية المجتمع وتعميق التلاحم بين القرى والمدن الساحلية والعاصمة.
وأوضح بن صراي أن القرى الإماراتية ببيئاتها المختلفة، البدوية والجبلية والساحلية، تمتلك ذاكرة غنية وحرفاً أصيلة، مثل حرفة «البيدرة» وصناعة سف الخوص ورعاية الإبل والزراعة التقليدية، محذراً من خطر اندثار هذه المعارف مع رحيل كبار السن وغياب الممارسة الحرفية الذاتية، وداعياً إلى إنشاء مراكز تدريبية وورش عمل متخصصة داخل القرى لتوثيق هذا الموروث وإحيائه.
وشدد على أهمية سد الفجوة الجيلية الناتجة عن انتقال الشباب للعمل في المدن، عبر استهداف طلبة المدارس والشباب ببرامج تدريبية وتراثية خلال عطل نهاية الأسبوع والإجازات الرسمية.
منوهاً بثراء الذاكرة الشفهية لدى كبار السن والأمهات في تفاصيل الزراعة وأهازيج الموروث الشعبي، ومؤكداً أن التكامل بين التنمية الثقافية والعمرانية والاقتصادية يعزز الهوية الوطنية ويصون التراث من التلاشي.
ذاكرة حية
من جانبها، أكدت الفنانة التشكيلية الدكتورة نجاة مكي أن استلهام البيئة والتراث الإماراتي يعد محوراً أساسياً لنشر الفنون وترسيخ الوعي بالهوية الوطنية، موضحة أن التراث ليس مجرد ماضٍ مضى، بل هو ذاكرة حية تتجدد باستمرار من خلال تفاصيل الحياة اليومية.
وأشارت الدكتورة نجاة إلى أن دمج الفن العام وتوظيف المفردات التراثية برؤى تصميمية حديثة في المناطق السكنية والعمرانية يحققان أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، لافتة إلى ضرورة صياغة استراتيجية وطنية يشرف عليها متخصصون في مجالات العمارة والفنون، تتولى استقبال المبادرات والمقترحات من المواطنين والمقيمين، وتستقطب الكفاءات الفنية المتنوعة لتنفيذ مشاريع تستند إلى فهم عميق لدلالات العناصر التراثية.
وبينت أنه يمكن تخصيص ثيمة تراثية محددة لكل منطقة، كأن تُزيَّن المنازل بجداريات يعكف على تصميمها وتنفيذها فنانون ذوو كفاءة عالية تحت إشراف جهات معنية كبلدية دبي أو دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي.
مضيفة أن توثيق هذه الأعمال في كتب رسمية وتوفير التقدير المناسب للفنانين سيعطيان دافعاً كبيراً للمبدعين، ويجعلان الفن متاحاً للجميع، لتتحول القرى إلى مساحات متحفية متكاملة تلامس الروح وتخاطب الزوار.
وعن الدور التنموي والسياحي للفنون البصرية، شددت الدكتورة نجاة مكي على أن الفن يتجاوز البعد الجمالي ليصبح محركاً للتنمية الثقافية والسياحية، عبر تحويل ذاكرة المكان إلى معالم مقصودة للزوار تعرّف بالهوية الإماراتية، مقترحة إنشاء نصب تذكارية واستلهام مفردات العمارة التقليدية.
وزخارف السدو، والحلي الفضية، والذهبية. كما دعت إلى استحضار الحكايات والأسطورة الشعبية وتقديمها برؤية معاصرة عبر فن الغرافيك والجداريات، مع أهمية إشراك الطلبة الموهوبين في المدارس لتعزيز هذا التوجه.
واختتمت تصريحها بالحديث عن متطلبات دعم المواهب الصاعدة، مؤكدة أن المبدعين في مختلف القرى والمناطق يمتلكون أفكاراً واعدة تحتاج بالدرجة الأولى إلى الدعم والتحفيز والاهتمام الكافي لتطويرها وإخراجها إلى النور كمشاريع فنية مستدامة تعبر عن روح المكان وتواكب المستقبل.
مصادر إلهام
وأكد الفنان التشكيلي عبد القادر الريس أن المكان يُعد من أغنى مصادر الإلهام للعمل الفني، مشيراً إلى أن العناصر التراثية كالبيوت القديمة، والأبواب، والنوافذ، والطبيعة الإماراتية استقرت في ذاكرته وشكلت وجدانه قبل أن تتجسد في لوحاته.
وأوضح الريس أن صون التراث لا يعني إطلاقاً مجرد تكرار الماضي ونسخه، بل يتطلب فهم روحه وتعميق فلسفته لتقديمها بلغة فنية معاصرة.
مضيفاً أن كل قرية في الإمارات تمتلك شخصيتها الفريدة وحكاياتها ومفرداتها الخاصة، ومؤكداً قدرة المبدع على تحويل هذه التفاصيل إلى أعمال تعبر عن هوية المكان وتخاطب جمهوراً واسعاً.
وعن دور الفنون في النهوض بالمجتمعات المحلية، شدد الريس على قدرة الفن البصري على منح الأماكن حياة جديدة؛ لكون القرية تشكل منظومة متكاملة من الذاكرة والناس والقصص والتطبيقات الطبيعية.
مشيراً إلى أن تفعيل الفعاليات الفنية، كالورش، والمعارض، والمراسم، والمسارات الإبداعية، يسهم في تحويل البيئة إلى تجارب ثقافية جاذبة تحيي الذاكرة، وتخلق في الوقت ذاته حركة ثقافية وسياحية واقتصادية يستفيد منها أهالي المنطقة بشكل مباشر.
وفيما يتعلق بدعم الطاقات الشبابية، بيّن الفنان التشكيلي أن الموهبة المجردة لا تكفي وحدها لاستمرار الفنان، بل تتطلب توفير الفرص والمساحات المخصصة للعرض والعمل، إلى جانب التوجيه والاستمرارية، داعياً إلى دمج الإرث الغني للقرى الإماراتية مع طاقات الجيل الجديد والأدوات الحديثة، ومؤكداً أن هذا التكامل كفيل بأن يصنع لكل قرية هويتها الثقافية الخاصة، ويصل بصوتها إلى آفاق عالمية واسعة.







