ويضع سقراط هذا السؤال أمام اعتراض غلوكون وأديمانتوس، فهما لا يطلبان مديح العدالة، بل يريدان معرفة قيمتها حين تنفصل عن السمعة والمكافأة، هنا يتغير مسار الحوار، إذ تصبح المدينة صورة مكبرة للنفس، وتغدو السياسة امتداداً للأخلاق.
وعند هذه النقطة يتضح أن التربية عند أفلاطون ليست نقل معلومات، بل تشكيل للرغبة قبل تشكيل العقل، لأن الإنسان يميل إلى ما ألفته عيناه وسمعته مخيلته.
لذلك يناقش الشعر والموسيقى والأساطير، فالصورة التي يتلقاها الطفل عن الآلهة والأبطال تترك أثراً في تصوره للشجاعة والعدل والخوف.
وتظهر العدالة عندما يؤدي كل جزء وظيفته من غير أن يستولي على وظيفة سواه، والمدينة العادلة، وفق هذا القياس، تحتاج إلى انسجام بين طبقاتها، غير أن التشبيه يكشف أيضاً نزعة أفلاطون إلى ضبط الفرد داخل ترتيب اجتماعي صارم، ويترك سؤال الحرية مفتوحاً أمام القارئ.
وهنا تكمن المفارقة المركزية في الكتاب، فالمدينة تحتاج إلى من يرى أبعد من مصالحها، لكنها تحتاج أيضاً إلى مقاومة إغراء تحويل الحقيقة إلى نظام مغلق.
وتظل الجمهورية حواراً مفتوحاً حول العدالة، لأنها تسأل عن الشروط التي تجعل النفس والمدينة قادرتين على مقاومة الفوضى، من غير أن تمنح السلطة حق إسكات السؤال، وتزداد أهمية هذا البناء حين يربط أفلاطون فساد المدينة بفساد الرغبة.
فالنظام السياسي عنده مرآة لتدرج النفس، وكل انقلاب في الحكم يكشف اضطراباً داخلياً يسبق ظهوره في القوانين والمؤسسات، وفي تصورات الناس عن العدالة.

