الطنطورية.. رقية في مرايا المنفى

تقدم رواية «الطنطورية» لرضوى عاشور حياة رقية منذ طفولتها في القرية الساحلية جنوب حيفا حتى شيخوختها في مدن اللجوء، وتنفتح البداية على البحر والبيت والأهل، ثم تتبدل خرائط العيش تحت ضغط المذبحة والرحيل، فتجد رقية نفسها وهي تحمل القرية في ذاكرتها.

وتعيد ترتيب سنواتها كلما احتاجت إلى فهم ما جرى، وجسدها يختزن آثار الزواج والأمومة والفقد، وصوتها يمنح هذه التجربة امتداداً يتجاوز عمر الفرد.

وتمنح عاشور الطنطورة حضوراً يتجاوز موقعها الجغرافي، فتظهر في أسماء العائلات واللهجة والطعام وعادات العمل وطرائق النداء.

هذه الجزئيات تمنح القرية ملمسها، وتجعل فقدانها خسارة لشبكة من الروابط التي كانت تمنح الأشياء معناها، وحين تعيش رقية في أماكن أخرى، تظل علاقتها بالمكان الأول حاضرة في طريقة النظر إلى البيوت والبحر والناس، ويتحول المنفى إلى تجربة يومية، وتغدو الذاكرة مساحة يعيش فيها الغائبون وتستمر فيها صلاتهم بالأحياء.

زمن الذاكرة

تتداخل في الرواية رقية الطفلة ورقية المرأة ورقية العجوز، فينشأ الزمن من المسافة بين التجربة واستعادتها، تفصيل صغير يوقظ حادثة بعيدة، والحادثة تعيد ترتيب معنى الحاضر.

فتبدو الذاكرة حركة مستمرة بين ما وقع وما بقي أثره، ولا تستعيد الراوية ماضيها بترتيب زمني مغلق، وإنما تقترب منه عبر ومضات وترددات وأسئلة ظهرت بعد مرور السنين، وبذلك يصبح الشكل الروائي قريباً من عمل الذاكرة، حيث تتجاور التفاصيل وتختلف دلالتها كلما تبدل موقع الناظر إليها.

وتحتل رقية مركز السرد، وتتحرك حولها أصوات العائلة والنساء واللاجئين والأبناء، كل صوت يضيف زاوية إلى التجربة.

ويكشف أثر الأحداث في العلاقات اليومية، وتظهر النكبة في الزواج والعمل وتربية الأطفال والقرارات المنزلية، فتأخذ الوقائع السياسية صورتها المحسوسة داخل حياة الأفراد.

وهذا الانتقال من الحدث العام إلى أثره الخاص يمنح الرواية قوتها، لأن التاريخ يظهر في مصائر الناس، وفي ما يضطرون إلى احتماله، وفي الخيارات التي يتخذونها تحت ضغط الخوف والفقد.

كما تستند لغة عاشور إلى نبرة قريبة من الكلام اليومي، وتمنحها كثافة شعرية تفتح التفاصيل على دلالات أوسع، يتجاور فيها صوت البيت مع صوت المأساة.

وتبقى الجملة محتفظة بقدرتها على نقل الحنان والقلق والارتباك في الوقت ذاته، وحين تستعيد رقية ما جرى، فهي تراجع أيضاً الطريقة التي ظل بها الماضي حاضراً في أبنائها وأحفادها. الذاكرة هنا انتقال بين أجيال، يحمل الوقائع ويغير شكلها في كل مرة.

ويظهر امتداد النكبة في اللجوء والحرب والانتظار، وتستمر آثاره داخل البيوت والأسماء واللغة، فرقية شخصية مركبة تحمل الاختيار والخلاف والندم إلى جانب الفقد، وتملك قدرة على مواصلة حياتها من دون أن تفقد صلتها بما حدث.

الأبناء والأحفاد يتلقون تجربة لم يعيشوا وقائعها، ويعيدون بناء علاقتهم بها عبر صور البيوت ونبرة الأمهات وأسماء الأماكن، هكذا يتكون الانتماء داخل الوعي والعلاقات، وتبقى الطنطورة حاضرة في الحاضر من خلال ما تركته في النفوس.

وتكشف الرواية أن استعادة الماضي فعل معرفي يراجع الذاكرة ويختبر حدودها، ويمنح الشخصيات حقها في التردد والصمت والاختلاف، ورقية لا تتحدث من موقع يملك الحقيقة كاملة.

وإنما تكشف أثناء الاستعادة عن فجوات الذاكرة وعن المسافة بين ما عاشته وما فهمته لاحقاً، ومن هنا تتشكل قيمة «الطنطورية» في وصل التجربة الخاصة بتاريخ أوسع، وفي تحويل المكان المفقود إلى حضور مستمر داخل اللغة، مع إبقاء الأسئلة مفتوحة حول الذاكرة والنجاة..!

وتتأكد أهمية هذا المسار حين تضع الرواية حياة النساء في قلب التحول التاريخي، فتظهر التجربة من خلال العمل والزواج والأمومة والتعليم والانتقال بين المدن.

كما أن رقية لا تمثل صورة للضحية، إذ تواجه العالم بقدرة تتشكل مع الوقت، وتعيد النظر في ما ورثته من تصورات عن الأسرة والمكان والواجب.

وحين تنتقل الذاكرة إلى الأبناء، تتغير أسئلتها، لأن الجيل يبحث عن فلسطين عبر الأسماء والقصص، بينما تحمل رقية المكان معها، ليأخذ السرد مسافة من الخطابة، فيترك الوقائع تتكشف من خلال أثرها في العلاقات والقرارات، ويمنح القارئ فرصة متابعة كيف يصنع الفقد أشكالاً جديدة من المعرفة والانتماء.