وتعيد ترتيب سنواتها كلما احتاجت إلى فهم ما جرى، وجسدها يختزن آثار الزواج والأمومة والفقد، وصوتها يمنح هذه التجربة امتداداً يتجاوز عمر الفرد.
هذه الجزئيات تمنح القرية ملمسها، وتجعل فقدانها خسارة لشبكة من الروابط التي كانت تمنح الأشياء معناها، وحين تعيش رقية في أماكن أخرى، تظل علاقتها بالمكان الأول حاضرة في طريقة النظر إلى البيوت والبحر والناس، ويتحول المنفى إلى تجربة يومية، وتغدو الذاكرة مساحة يعيش فيها الغائبون وتستمر فيها صلاتهم بالأحياء.
زمن الذاكرة
فتبدو الذاكرة حركة مستمرة بين ما وقع وما بقي أثره، ولا تستعيد الراوية ماضيها بترتيب زمني مغلق، وإنما تقترب منه عبر ومضات وترددات وأسئلة ظهرت بعد مرور السنين، وبذلك يصبح الشكل الروائي قريباً من عمل الذاكرة، حيث تتجاور التفاصيل وتختلف دلالتها كلما تبدل موقع الناظر إليها.
ويكشف أثر الأحداث في العلاقات اليومية، وتظهر النكبة في الزواج والعمل وتربية الأطفال والقرارات المنزلية، فتأخذ الوقائع السياسية صورتها المحسوسة داخل حياة الأفراد.
وهذا الانتقال من الحدث العام إلى أثره الخاص يمنح الرواية قوتها، لأن التاريخ يظهر في مصائر الناس، وفي ما يضطرون إلى احتماله، وفي الخيارات التي يتخذونها تحت ضغط الخوف والفقد.
وتبقى الجملة محتفظة بقدرتها على نقل الحنان والقلق والارتباك في الوقت ذاته، وحين تستعيد رقية ما جرى، فهي تراجع أيضاً الطريقة التي ظل بها الماضي حاضراً في أبنائها وأحفادها. الذاكرة هنا انتقال بين أجيال، يحمل الوقائع ويغير شكلها في كل مرة.
الأبناء والأحفاد يتلقون تجربة لم يعيشوا وقائعها، ويعيدون بناء علاقتهم بها عبر صور البيوت ونبرة الأمهات وأسماء الأماكن، هكذا يتكون الانتماء داخل الوعي والعلاقات، وتبقى الطنطورة حاضرة في الحاضر من خلال ما تركته في النفوس.
وإنما تكشف أثناء الاستعادة عن فجوات الذاكرة وعن المسافة بين ما عاشته وما فهمته لاحقاً، ومن هنا تتشكل قيمة «الطنطورية» في وصل التجربة الخاصة بتاريخ أوسع، وفي تحويل المكان المفقود إلى حضور مستمر داخل اللغة، مع إبقاء الأسئلة مفتوحة حول الذاكرة والنجاة..!
كما أن رقية لا تمثل صورة للضحية، إذ تواجه العالم بقدرة تتشكل مع الوقت، وتعيد النظر في ما ورثته من تصورات عن الأسرة والمكان والواجب.
وحين تنتقل الذاكرة إلى الأبناء، تتغير أسئلتها، لأن الجيل يبحث عن فلسطين عبر الأسماء والقصص، بينما تحمل رقية المكان معها، ليأخذ السرد مسافة من الخطابة، فيترك الوقائع تتكشف من خلال أثرها في العلاقات والقرارات، ويمنح القارئ فرصة متابعة كيف يصنع الفقد أشكالاً جديدة من المعرفة والانتماء.

