في زحام الأيام، ثمة لحظات تمرّ خفيفة كأنها لا تستحق الالتفات، ثم لا تلبث أن تستقر في الذاكرة بوصفها أكثر ما يبقى. رشفة شاي، يدٌ تمتد بالحنان، زهرة تُقطف من حديقة، ضوءٌ ذهبي يلامس البحر، أو مشهد عابر بين إنسان وحيوان أليف.. تفاصيل تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها حين تقع تحت عين الفنان تتحول إلى ذاكرة نابضة، وتكتسب من الفن ما يجعلها عصيّة على النسيان.
من هذه المساحة الفاصلة بين العابر والخالد، انطلق معرض «لا شيء يُذكر»، الذي احتضنه أخيراً مركز كتبنا الثقافي في دبي، ليعيد النظر في مفهوم اللحظة وما تستحقه من توثيق. هنا، لا تبحث الأعمال عن المشاهد الاستثنائية، بقدر ما تنصت إلى الحياة في تفاصيلها الصغيرة، وتلتقط ما قد تفوّته عدسات التوثيق التقليدي.
وخلال تلك الأجواء الرائعة، كان لـ «البيان» لقاءات مع نخبة من الفنانين المشاركين في المعرض، الذين أعربوا عما دار في وجدانهم أثناء صناعة أعمالهم الفنية، وتحدثوا عن التفاصيل الصغيرة التي تحولت بين أيديهم إلى إبداعات تستدعي التأمل.
توثيق اللحظة
وأكدت الفنانة والقيمة الفنية علا اللوز أن المعرض الفني «لا شيء لا يذكر»، يضيء على اللحظات اليومية التي قد يبدو أثرها عابراً، لكنها تحمل في جوهرها قيمة إنسانية، مشيرةً إلى أن الانشغال بتفاصيل الحياة الراهنة كثيراً ما يُفقد الأفراد فرصة توثيق تلك اللحظات الثمينة.
وأوضحت اللوز أن الفارق الجوهري بين التوثيق التقليدي والتوثيق الفني، يكمن في البعد الجمالي، إذ يتم استخدام عناصر فنية تجذب المتلقي وتدفعه للتأمل. وأضافت: «يهمنا أن يخرج زائر المعرض بفكرة واحدة على الأقل، وأن يستحضر أهمية التفاصيل اليومية التي نتشاركها جميعاً».
وأشارت إلى أن المعرض يتناول مفاهيم بصرية تشبه الحياة اليومية للمجتمعات بمختلف خلفياتها، مثل التجمعات العائلية في الأعياد، أو الأوقات البسيطة التي تتضمن احتفاءً بالتقاليد الاجتماعية، مؤكدةً أن هذه المشاهد، برغم بساطتها، تشكّل خطاً إنسانياً مشتركاً، يتجاوز الحدود المحلية.
تسلسل الرشفة
وأكد الفنان عبد الله الاستاد أن مشاركته جاءت من خلال تقديم عمل فني خاص، يحمل عنوان «تسلسل الرشفة»، مشيراً إلى أنه أراد تسليط الضوء على تفاصيل دقيقة، تتلخص في خلق حوار بصري بين الضوء و«استكانة الشاي»، وانعكاساته البصرية داخلها، واصفاً تلك اللحظة بالخالدة والأثيرة، التي تترك أثراً عميقاً في النفس.
وأضاف أنه سعى لتوثيق هذا التسلسل اللانهائي، من خلال عمل يتكون من 10 إطارات، حيث يحمل كل إطار تفاصيل مختلفة، بدءاً من كؤوس الشاي الممتلئة والفارغة، وحركة الأيدي المقتربة منها، وصولاً إلى الظلال المتداخلة، مؤكداً أن الضوء يظل اللغة الأكثر حضوراً في الإطارات كافة، محققاً التناغم بين الشاي وتلك اللحظات العابرة، وموضحاً أن العمل أُنتج باستخدام الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية على خامة الكتان، مع إدخال تفاصيل الخياطة بأسلاك الحديد.
الساعة الذهبية
وأكدت الفنانة فاطمة البدور أن مشاركتها الفنية الحالية، تأتي ضمن سلسلة أعمال تصويرية تعتمد فيها على المدارس الكلاسيكية، مشيرةً إلى أنها تفضّل استخدام كاميرات «نيكون» القديمة، والتصوير على الأفلام والتحميض التقليدي، لإبراز الجماليات الفنية للقطات.
وأوضحت البدور أنها التقطت الصورة المشاركة خلال «الساعة الذهبية» في شواطئ دبي، لافتةً إلى أن العمل يجسّد صورة صديقتها في تفاعل جمالي مع البحر، لافتةً إلى أن هذه اللقطة هي جزء من سلسلة فنية أوسع، تتناول الموضوع ذاته، ولا تقتصر على صورة واحدة.
وحول مسيرتها الفنية، بينت البدور أن هذه المشاركة ليست الأولى لها، إذ سبق أن شاركت في العديد من الفعاليات والمعارض الفنية البارزة داخل الدولة وخارجها، من بينها «مهرجان سكة للفنون والتصميم» في دبي، فضلاً عن مشاركات في أبوظبي ومحافل دولية أخرى.
لغة الأيدي
وأكد الفنان عبد الله الغرير أن الذاكرة الوجدانية تشكل جوهر أحدث أعماله الفنية المعروضة، موضحاً أنه تعمّد التركيز على تفاصيل «لغة الأيدي»، بدلاً من إظهار الوجوه، لكونها تحمل طاقة تعبيرية أعمق.
وأشار إلى أن اللوحة تستند إلى لحظات حميمة كان يشاركها مع جدته الراحلة، حيث دأب على زيارتها كل أسبوع محمَّلاً بالزهور، مشيراً إلى أن الزهور الظاهرة في العمل الفني اقتُطفت من حديقة المنزل، لكون جدته كانت شغوفة بالزراعة.
وحول الرؤية الإخراجية للعمل، أشار الغرير إلى أنه تعمَّد الخروج عن المألوف في اختيار إطار اللوحة، رافضاً استخدام الإطارات التقليدية، مبيناً أنه برغم قيود مساحة العرض الجدارية (40 سم)، فإنه فضَّل الإبقاء على الصورة بحجم صغير، مع تكبير الإطار المحيط بها، لخلق استجابة بصرية فريدة لدى الزائر.
صور وحروف
وأوضحت الكاتبة والفنانة ميثاء القاسمي، خلال مشاركتها ككاتبة وحيدة وسط مجموعة من المصورين، أن العدسة والحرف يخدمان الهدف ذاته، المتمثل في توثيق اللحظة والاحتفاظ بها، مشيرةً إلى أن النصوص التي تدوّنها تمكّنها عند إعادة قراءتها من استحضار المشهد، وتخيله بكل تفاصيله، وكأنها تعيشه مجدداً.
وبينت القاسمي، التي تمارس الرسم والتصوير إلى جانب الكتابة، أن الفن لا يقتصر على وجه واحد، بل يتعدد بتعدد أدواته، مؤكدةً أن طبيعة اللحظة نفسها، هي ما يملي عليها الوسيط الفني المناسب.
وأشارت إلى أنها تعتمد على الكتابة بنسبة تصل إلى 90 % في التعبير عن أفكارها، لكونها الوسيلة الأسرع والأكثر مرونة في ترجمة المشاعر، مقارنة بالرسم، الذي قد يستغرق أشهراً لإنجاز العمل الفني النهائي.
مشاهد عابرة
وأكد الفنان محمد العلوي أن مشاركته في المعرض جاءت من حرصه على توثيق اللحظات العفوية التي كثيراً ما تغفل عنها عدسات التوثيق التقليدية، موضحاً أنه حين يعود بالذاكرة إلى طفولته، يجد أن أغلب الصور المحفوظة تقتصر على المناسبات فقط، وهو ما دفعه إلى توثيق تفاصيل الحياة اليومية لابنه في هذه المرحلة العمرية، بأسلوب أكثر واقعية.
وأضاف أن اختيار الأعمال المعروضة، جاء ليتناسب مع مفهوم المعرض، لافتاً إلى أن الفكرة تلمس بجلاء المشاهد العابرة واليومية، لا سيما تلك التي تجسد العلاقة بين الإنسان والحيوان الأليف، كالقطط، والتي تبدو في جوهرها علاقة دافئة، تجعل من اللحظات العابرة قيمة بصرية تستحق التوثيق.


















