في لحظة يُخشى فيها أن تنطفئ الحكايات الشفوية برحيل أصحابها، تتقدم الذاكرة لتقاوم النسيان، حاملةً تفاصيل صغيرة قد لا تجد مكاناً في كتب التاريخ، لكنها تختزن روح مجتمع بكامله.
من هذا الهاجس انطلقت الكاتبة الإماراتية مريم خليفة الشحي في مشروعها التوثيقي «بطاقات بريدية من رأس الخيمة»، ساعيةً إلى جمع شتات الذاكرة الشفوية والثقافية لقبيلة الشحوح.
واستعادة حكايات نسائها وتفاصيل حياتهن اليومية، انطلاقاً من سيرة جدتها «عائشة ثويني» التي شكّلت نقطة البداية ومصدر الإلهام.
لم تكن حكاية الجدة مجرد سيرة عائلية تستعاد في جلسات خاصة، بل بدت لمريم مدخلاً إلى تاريخ اجتماعي وإنساني أوسع.
فالجدة، وهي من أصحاب الهمم من فئة الصم والبكم، استطاعت بعزيمة استثنائية أن تربي خمسة أيتام وتعولهم في مرحلة مبكرة سبقت قيام الاتحاد، متجاوزةً ظروفاً وتحديات قاسية، لتترك في ذاكرة حفيدتها صورة لامرأة لم تكن صعوباتها عائقاً أمام أداء دورها في أسرتها ومجتمعها.
بوابة الذاكرة
ومع تعلم مريم لغة الإشارة الخاصة بجدتها، والاستماع إلى حكاياتها ومرويات من عرفوها وعاشوا بالقرب منها، بدأت الكاتبة تدرك أن ما تحمله هذه المرأة من تفاصيل ليس ملكاً لذاكرتها وحدها، بل جزء من ذاكرة أوسع مهددة بالغياب.
ومن قصة الجدة، اتسعت دائرة البحث لتشمل نساء أخريات جاورن منزلها قديماً، ونساء التقت بهن مريم خلال رحلتها بين بخا ورأس الخيمة، وأخريات حملن تجارب مشابهة في القوة والصبر والعمل، لتتحول الحكاية الفردية إلى نافذة على حياة جيل كامل من النساء.
وتقول مريم الشحي، في حديثها لـ«البيان»: إن جدتها لو كانت تجيد الكتابة «لكانت كاتبة بارعة»، لما تختزنه ذاكرتها من تفاصيل حية ودقيقة. ففي جلساتهما اليومية، وعبر لغة الإشارة، تستعيد الجدة ملامح من الماضي.
فتتحدث عن بائع الخضراوات في منطقة «الجولان» برأس الخيمة، وتستعيد مواقف جاراتها وأحاديثهن، وتضحك على تفاصيل تبدو عابرة، لكنها بالنسبة إلى مريم وثائق إنسانية نادرة عن زمن ومكان وأناس لم تُكتب حكاياتهم بالقدر الكافي.
أمانة الحكاية
ومن هنا، اتخذ المشروع منحى يتجاوز جمع القصص إلى التفكير في كيفية نقلها بأمانة. فهذه التفاصيل، في نظر الكاتبة، ينبغي ألا تتحول إلى مادة تخضع بالكامل لخيال الكاتب أو رؤيته.
لأنها شهادات إنسانية حقيقية لنساء عشن تلك التجارب؛ ولذلك جعلت مريم من الأمانة السردية مبدأً يحكم كتابتها، مستندةً إلى سؤال ظل حاضراً في كل مرحلة من مراحل المشروع: «لو قرأت امرأة قصتها بقلمي يوماً، هل ستشعر بالارتياح لطريقة سردي ولغتي؟».
وانطلاقاً من هذا المبدأ، حرصت على أن تظل لكل راوية لغتها وصوتها وخصوصيتها، وأن تأتي النصوص قريبة من طبيعة التجربة التي تنقلها، لا أسيرةً لقوالب أكاديمية أو انحيازات مسبقة.
فالمشروع لا يهدف إلى تشكيل صورة أدبية للمرأة الشحية بقدر ما يسعى إلى الاقتراب من تجربتها كما عاشتها وروتها، ومنها التفاصيل اليومية الصغيرة التي تمنح السرد صدقه الإنساني.
وأتاح البحث الميداني لمريم الاقتراب من الخصوصيات اللغوية والاجتماعية لكبار المواطنين، والتعامل مع اختلاف اللهجة الشحية من منطقة إلى أخرى.
وهو تحدٍّ لم تتعامل معه بوصفه عائقاً لغوياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من هوية أصحاب الروايات أنفسهم؛ لذلك تجنبت اختزال المرأة الشحية في صورة نمطية مرتبطة بالموروث الجبلي القديم، واتجهت بدلاً من ذلك إلى رصد حياتها في تفاصيلها المتحركة:
يومياتها، وتنقلاتها، وعلاقاتها، وأدوارها داخل الأسرة والمجتمع، مع منح كل امرأة اسمها وصوتها وتجربتها المستقلة.
وتحضر هذه الخصوصية أيضاً في اعتماد المشروع على الاقتباسات المباشرة والتعابير المحلية، بما يتيح للقارئ الاقتراب من صوت الراوية لا من تفسير الكاتبة لها فقط.
كما يضيء المشروع على التداخل بين الماضي والحاضر، وعلى الطريقة التي انتقلت بها بعض القيم والممارسات والذكريات من جيل إلى آخر، لتصبح الحكايات الشخصية سجلاً موازياً لتاريخ المجتمع.
جذوة الشغف
وظلت فكرة المشروع تراود مريم سنوات طويلة، بالتزامن مع انشغالها بدراستها الأكاديمية لمرحلة الدكتوراه، قبل أن يأتي «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة ليمنح الفكرة فرصة الانتقال من مساحة الشغف الشخصي إلى مشروع توثيقي قابل للتنفيذ.
ومع هذا الدعم، لم تعد الحكايات التي حملتها ذاكرة الجدة ونساء أخريات مجرد مادة محفوظة في جلسات عائلية، بل أصبحت مشروعاً يسعى إلى منحها شكلاً يمكن أن يصل إلى الأجيال المقبلة.
وفي جوهر «بطاقات بريدية من رأس الخيمة» لا تقف مريم عند استعادة الماضي بوصفه زمناً منتهياً، بل تحاول إنقاذ ما يمكن أن يضيع منه: أسماء النساء، أصواتهن، تفاصيل حياتهن، طرق تعبيرهن عن أنفسهن.
فحين تتحول ذاكرة امرأة واحدة إلى مدخل لتوثيق ذاكرة مجتمع، تصبح الكتابة هنا أكثر من فعل أدبي؛ إنها محاولة لحفظ جزء من الحكاية الوطنية قبل أن يغيب أصحابها، ولمنح القصص التي بقيت خارج السجلات الرسمية فرصة لأن تُسمع وتُروى وتبقى.
