فكثير زعم، خاصة مع بروز المدارس الفنية الإبداعية الفرنسية ذات الطابع الغرائبي في القرنين الفائتين، أن دور الفن/الأدب (وهو يضم تحت مظلته: الرواية والقصة والدراما والموسيقى...إلخ)، لا يتعدى الجانب والنطاق الجمالي الإمتاعي البحت، ولا يمكنه اكتناز محمولات رسالة تأثيرية موجّهة وقائدة في المجتمع.
وفي مقابل هذا الرأي برزت، وتستمر، أصوات ورؤى أخرى مغايرة، تجزم أن الفن محال أن يكون خاوياً من الرسالة القيمية، وأن وظيفته الجمالية لا يمكن أن تنفصل عن الوظيفة المضمونية الفكرية التي يجدر أن ينطوي معها على ذخائر وثمار إيجابية بنّاءة، تجدي في حياة المجتمعات تنويراً وارتقاء وتطوراً.
إذ راحت المدينة ترسم، بجدارة وثقة، خرائط الإبداع والتقدم في عالمنا وكذا تغرس في أجساد الصنوف الفنية/الأدبية أرواحاً ومضامين تجعلها جزءاً رئيساً من مفردات الحياة اليومية، لا سياقات وأطراً تسكن أبراجاً عاجية تحضر معها بقوالب جافة جامدة متعالية وعصية على استيعاب أو تقبل المتلقي العادي غير المتخصص بحقول الآداب.
ولم يكُ نجاح دبي في هذا القبيل سطحياً أو عرضياً، بل طال جواهر وجذور المسألة، ما أهلها لتحترف إبداع أقنية وتوجهات فذة في مسارات تحوّل الفنون إلى مفردات حياتية مجتمعية مباشرة في ملامستها ومواكبتها مفاهيم واحتياجات الناس بشرائحهم وفئاتهم كافّة، وكذا في إعادة تعريف قيم الإبداع لتغدو بسيطة خاوية من التعقيدات، وجزءاً من المنظومة المفاهيمية والإنتاجية الاقتصادية والمجتمعية العامة.
روح المدينة
كما أنه غدا ملمحاً جوهرياً في البنية التحتية، ضمن الشوارع والساحات والحدائق ومراكز تسوق والحقول الأخرى العديدة.
وهكذا، فإنه لم يبقَ قصياً عن العامة ومحصوراً بالمثقفين، بل أصبح حالة جماهيرية تدخل في مفاصل وحيثيات ومشاهد الحياة اليومية، ضمن المرافق شتى، فتلهم الناس وترتقي بذوائقهم وتمدهم بجرعات الإيجابية والتفاؤل والحرص على العمل والإنتاج والتمسك بالمحبة والتواصل الحضاري مع الآخر، ذلك خاصة بفضل سمة الانفتاح والتنوع الثقافي التي تتسم بها الإمارة، حيث أفرز ذاك صوغ بانوراما نتاجات فنية إبداعية تثوي فيها ومضات وتراثات وقصص الحضارات الإنسانية بمجملها.
قيم وزخم
وليس بسيطاً أو عادياً، أيضاً، دور وجهات دبي وشوارعها وساحاتها وأنحائها.. ومناطقها العصرية والتراثية، في الخصوص، إذ إنها أمست متاحف مفتوحة، غنية بالجداريات والمنحوتات والأشكال الإبداعية الأخرى التي تصافح الناس وتنثر في أنفسهم أعطار الخير والوئام، وتحفزهم على العطاء والجد والتآخي.
