رحلة الدلالة بين التلميح والتصريح عند أمل السهلاوي

أمل السهلاوي
أمل السهلاوي
الشاعرة تنتقل بالمعنى من الإيحاء إلى التقرير فتمنحه حضوراً ودهشة
الشاعرة تنتقل بالمعنى من الإيحاء إلى التقرير فتمنحه حضوراً ودهشة


لا تنبني الصورة الشعرية عند أمل السهلاوي على الزخرفة، بقدر ما تنهض على آلية دلالية تتدرج من الإيحاء إلى التصريح، وتستثمر المجاز بوصفه جسراً يعبره المعنى قبل أن يستقر في العبارة. ويكشف نصها الذي مطلعه:


عِدْنِي بِبَعْضِ الْغَيْمِ حَتَّى أُمْطِرَا
وَاجْمَعْ بِحَنْجَرَتِي الرُّعُودَ لِأْهْدِرَا


عن وعي لافت بهذه الآلية؛ إذ تتحول الصورة من فضاء رمزي مفتوح إلى خطاب واضح، من دون أن تفقد وحدتها الداخلية؛ ففي استعارة الغيم للأمل تكمن قوة الصورة الأولى؛ فالغيم ليس رمزاً غامضاً مستورداً من قاموس التجريد، وإنما يستند إلى ذاكرة عربية عريقة تشكلت في بيئة صحراوية طال فيها انتظار المطر، فصار الغيم بشارة، وموعداً بالخصب، ومبعثاً للرجاء. ومن هنا تكتسب الاستعارة إقناعها من صلة طبيعية بين اللفظ والدلالة الثقافية. ويزداد تماسك الصورة حين تجمع الشاعرة «الغيم» و«أمطرا» و«الرعود» في حقل دلالي واحد، فتبدو المفردات كأنها أجزاء مشهد واحد يتنامى من الوعد إلى الهطول. ثم تقول:


وَارْسُمْ عَلَى وَضَحِ الضَّبَابِ رِسَالةً:
حُرِّيَّةُ الْأَشْيَاءِ أَلَّا تُشْتَرَى


هنا تتولد مفارقة لافتة في تركيب «وضح الضباب»، إذ يجتمع الوضوح بالغموض في صورة تتوسط مسار القصيدة بين التلميح والتصريح. والأدق أن الشاعرة تختار «ارسم» لا «اكتب»، مع أن الرسالة التي تليها تقريرية مباشرة، وكأن فعل الرسم يستبقي شيئاً من الطبيعة التصويرية للصورة السابقة، كما أن غموض المناسبة يوازي غموض الكتابة على الضباب، بما يفتح المعنى على التأويل.
ويمكن وصل هذه الصورة بفكرة صناعة الأمل التي تأسست في المطلع؛ فـ«حرية الأشياء في ألا تُشترى» تقابلها «إرادة الإنسان في أن يصنع ما يرجوه، لا أن يتلقاه جاهزاً». وهنا يصبح المجاز وسيلة لبناء موقف، لا مجرد تحسين لغوي. وعندما تقول:


قُلْ لِلَّذِينَ تَأَجَّلَتْ أَحْلَامُهُمْ:
لَا بَأْسَ لِلْبُشْرَى بِأَنْ تَتَأَخَّرَا


تنتقل الشاعرة من المجاز إلى التصريح، لكنها لا تتخلى عن أثر الصورة؛ فالبشرى التي تجسدت أولاً في الغيم تُسمّى هنا باسمها، وهو انتقال يجعل المعنى الموحى ممهداً للمعنى المباشر. وهذا قريب من مفهوم «المعادل الموضوعي»، حيث تُستحضر الفكرة في صورة محسوسة قبل إعلانها.
واللافت أن أمل السهلاوي لا تقول: «تأخرت أحلامهم»، بل «تأجلت»، ثم تختم بـ«تتأخرا». بهذا الاختيار تعطل التوقع الإيقاعي والدلالي الذي قد يصنعه التوازي، وتُبقي المتلقي يقظاً حتى نهاية البيت. كما أن الفرق بين اللفظين يخدم المعنى: التأجيل قد يكون قراراً قابلاً للرجاء، أما التأخير فيوحي بتجاوز الموعد، كأن الشاعرة تمنح أصحاب الأحلام فسحة أمل بقولها «لا بأس»، ثم تكشف أن البشرى لم تُلغَ، وإنما تأخرت. وفي الخاتمة يتسع المجاز من المطر والحلم إلى الزمن والإنسان:


وَالْعُمْرُ كُلُّ الْعُمْرِ يَوْمٌ وَاحِدٌ
نَأْتِيهِ ثُمَّ نَصِيرُ شَيْئاً آخَرَا


فتغدو القصيدة رحلة تحوُّل: نأتي العمر كما نأتي الغيم، ثم نخرج منه أشخاصاً آخرين. وهكذا يتأكد أن المجاز لدى الشاعرة ليس بديلاً عن المعنى، بل طريقته الأعمق في الوصول إليه. وتتجلى براعة الشاعرة في أن الصورة تفتح الباب لما يليها، فلا يبدو الانتقال بين المجاز والحقيقة قفزاً، بل تحولاً في مسار الفكرة.