محاكمة الأدب العربي.. تراث غائب ومعايير غريبة

عائشة سلطان
عائشة سلطان

في زوايا المشهد الأدبي العربي، يتردد صدى أصوات كثيرة تبحث عن هويتها بين إرث متأصل وتطلعات عالمية متشابكة. فبين صفحات الروايات والشعر والنقد، تتكشف ظاهرة محاكمة النتاج الأدبي العربي بمعايير غربية صرفة، وكأن كل عمل عربي يقاس بمسطرة ليست من صنعه.

هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للأدب العربي أن يتنفس بحرية، ويستثمر غناه التراثي في إنتاج نظريات نقدية عربية تتماهى مع خصوصيته؟ رحلة البحث هذه تكشف عن صراع خفي بين الانفتاح على الثقافات العالمية والحفاظ على جوهرنا، بين الرغبة في الاعتراف العالمي وحاجتنا إلى إعادة تعريف أدواتنا النقدية من الداخل.

وفي هذا التحقيق، نحاول سبر أغوار هذا التحدي، ونستعرض العقبات والفرص التي تواجه المثقف العربي في مسعاه لتطوير نقد عربي يليق بعراقة أدبنا وتنوعه.

وعاء خاوٍ

وفي رؤية نقدية عميقة للمشهد الأدبي العربي، أكد الروائي الإماراتي علي أبو الريش، لـ«البيان»، أن محاكمة الأدب العربي بمعايير الآخر ليست إلا نتاج وعاء خاوٍ وعقدة نقص جعلت المبدع العربي يلهث خلف ظلال الآلة الغربية، موضحاً أن المنطقة العربية هي المنبت الأصيل للخرافة والفلسفة، وأصل البناء الحكائي منذ «ملحمة جلجامش»، مشدداً على أننا لا نفتقر إلى الإبداع، بل نفتقد «الوعاء السميك» والمنظومة العلمية التي تحمل صوتنا بندية.

وأشار أبو الريش إلى أن مأزق الإبداع العربي المعاصر يكمن في عقدة الدونية والارتهان لثقافة الآخر كمرجع وحيد، وهو ما جعل الأدب العربي يسير خلف الجدران، عاجزاً عن اختراق «الزجاجة العالمية»، موضحاً أن الحضور العالمي الحقيقي لا يتحقق بالاستجداء، بل بوعي ذاتي يحررنا من التبعية ويفرض هويتنا كقوة حضارية لا تقبل الإقصاء، وأن العالم لا يستمع إلا «لطرقات الأقدام الثقيلة».

وفي دعوة صريحة للتغيير، شدد أبو الريش على حاجة المثقفين إلى عملية «غسيل لمعاطف الوعي» للتحرر من التبعية الثقافية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في استثمار المخزون الثقافي والقرآني لترسيخ التقنيات الفنية العربية والعودة إلى «الأنا» المتماسكة المستلهمة من التاريخ العريق.

واختتم أبو الريش رؤيته بالتأكيد أن الأدب ليس مجرد حكاية تنسى، بل هو عمل لإعادة صياغة الكون. وحذر من حالة «الأنيميا العقلية» التي تعوق الاستقلال النقدي، داعياً إلى الإيمان بأن الإبداع ضرورة وجودية كالماء والهواء، وليس مجرد رفاهية مؤجلة لما بعد الفراغ.

مرآة غربية

من جانبها، أكدت الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان أن المشهد الأدبي العربي المعاصر يشهد حالة من الجدل المستمر حول علاقة الأدب العربي بالغرب، موضحة أنه لا يمكن حصر رؤية الأدب العربي لنفسه من خلال «المرآة الغربية» فقط، برغم حضور هذه المرآة بقوة في النقاشات والأحكام النقدية.

وعزت أسباب هذا التأثر إلى تاريخ طويل من الاحتكاك غير المتكافئ بالغرب، ونظرتنا له كمرجعية أولى في قضايا النقد والسرد نتيجة تفوقه العلمي والصناعي، فضلاً عن ازدهار صناعة الثقافة والنشر لديه في ظل مناخ من الحريات، مشيرة إلى أن هذا الوضع أدى إلى اعتماد معايير نقدية وجمالية مستمدة من التجربة الغربية، مثل شكل الرواية الحديثة وتقنيات السرد، بل جرى في حالات كثيرة قياس جودة العمل العربي بمدى اقترابه من هذه النماذج.

ومع ذلك، لفتت سلطان إلى وجود محاولات واعية لكسر هذه التبعية، مبينة أن المسألة ليست مجرد «عقدة نقص»، بل هي صراع بين مرجعيتين: مرجعية عالمية فرضتها ديناميات القوة الثقافية، ومرجعية محلية تسعى لتأكيد خصوصيتها عبر العودة إلى مصادر السرد العربية الأصيلة.

وفيما يخص الجانب النقدي، أوضحت عائشة سلطان أن جزءاً من النقد المعاصر تأثر بالمناهج الغربية كالبنيوية والتفكيكية، واستخدمها كأدوات جاهزة للقياس برغم اختلاف السياقات الثقافية التي نشأت فيها. وذكرت أن المشكلة تكمن في تحويل هذه المناهج إلى «قوالب مسبقة» بدلاً من كونها أدوات مرنة للفهم، معتبرة أن الانفتاح على هذه المناهج كان سلاحاً ذا حدين.

واستعرضت الإيجابيات التي تخص تلك التجربة التي أسهمت في تحديث أدوات التحليل، وجعل القراءة أكثر منهجية وعمقاً، وتخليص النقد من الأحكام الانطباعية والذوقية، في حين لفتت إلى أن السلبيات تكمن في خلق نوع من التبعية الفكرية، مبينة أن النقد تحول، في هذا السياق، إلى محاولة لإثبات انتماء النص إلى نظرية معينة بدلاً من فهمه.

وحول عدم تحول التراث البلاغي والنقدي العربي (مثل نظريات عبد القاهر الجرجاني والجاحظ) إلى أساس لنظريات معاصرة، أكدت أن العائق ليس في ضعف التراث، بل في كيفية التعامل معه، موضحة أن تحويل التراث إلى نظرية حديثة يتطلب مشروعاً فكرياً طويلاً يعيد قراءة المفاهيم بلغة عصرية.

واختتمت الكاتبة عائشة سلطان حديثها بالإشارة إلى أن تصحيح مسار النقد العربي لا يكون برفض المدارس الغربية ولا باتباعها حرفياً، داعية إلى خلق حوار نقدي متكافئ يجمع بين الإرث العالمي والتجربة العربية الخاصة.

حضارة كونية

وفي قراءة نقدية معمقة لواقع المشهد الفكري المعاصر، أكدت الناقدة الأكاديمية الدكتورة مريم الهاشمي أن مفهوم «التبعية الثقافية» بات وثيق الارتباط بالهيمنة الكولونيالية، حيث يبرز طرف متقدم يفرض سطوته، وطرف مغلوب تسلب إرادته لمصلحة ثقافة وافدة تستحوذ على الهوية المحلية وتفرض قوالبها الخطابية، موضحة أن التمسك بالثقافة الأصيلة ومحاولة استرجاع الأمجاد التاريخية ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو رد فعل واعٍ يهدف إلى حماية قرون من الفكر والإبداع والتنوير الذي ميز الأمة العربية والإسلامية.

وأشارت إلى أن هذا الحراك يمثل فعلاً جوهرياً لاستعادة الثقة بالنفس والقدرات، مستنداً إلى تاريخ يؤكد هذا الاستحقاق الحضاري، وأن التبعية الثقافية تتخذ وجوهاً متعددة تشمل اللغة، والتاريخ، والآداب، والعلوم، والصناعات، لافتة إلى أن النقد الأدبي لم يسلم من هذا التأثر، حيث تنسب أغلب المناهج والمدارس النقدية إلى الغرب، برغم أن الباحث المتعمق يدرك أن جذور هذه المناهج مبثوثة في التراث العربي القديم، وإن اختلفت المسميات أو افتقرت إلى التنظير الدقيق آنذاك.

وشددت الهاشمي على ضرورة استيعاب فكرة أن صنع الفكر والحضارات هو «عملية كونية» بامتياز، وهو ما تجسده حركة الترجمة التي سمحت للعلوم والفلسفات بالسفر من بيئات نشأتها إلى بيئات جديدة احتضنتها وطورتها، قائلة: «لسنا في موقف آني يجعلنا نفكر في مَن الأجدر بأن يغلب الآخر، بل السؤال الأهم: كيف نكون فاعلين ومؤثرين في صنع الحضارة في عالم يتسارع أكثر من أي وقت مضى؟».

وطرحت الأكاديمية رؤيتها للحل، معتبرة أنه لا بديل عن تحسين المؤسسات التعليمية والاجتماعية بالتوازي. ودعت إلى الالتفات للمجتمع، والمكتبات، والمبادرات الجماعية والفردية؛ لجعل القيمة الثقافية «نمط حياة يومياً».

وفي ختام حديثها، نبهت الدكتورة مريم إلى الدور المحوري للنقد الثقافي الذي وصفته بــ«السلاح ذي الحدين»؛ فإما أن يؤدي إلى التبصر الذي يلغي التبعية، أو يعزز «العمى الثقافي»، مستنكرة عزوف النقد الغربي عن التفاعل مع نقدنا العربي المعاصر، مقابل إصرار النقد العربي على التبعية بشكل نمطي.