الذكاء الاصطناعي والثقافة الإماراتية.. هل تدرك «الخوارزميات» خصوصية المفردة المحلية ؟

الأمثال والشعر النبطي والعادات تُظهر عجز الآلة عن تجاوز المعنى الظاهر

فهم الثقافة رقمياً يتسع حين تمتد البيانات إلى الصوت والصورة والسياق

تمثيل الهوية الإماراتية في الذكاء الاصطناعي يستدعي تضافر اللغة والتراث والخبرات

توطين الذكاء الاصطناعي ثقافياً ينقل عملية التطوير من تعريب اللغة إلى استيعاب الواقع الإماراتي

معايير التقييم تؤكد أن نجاح التقنية لغوياً لا يعني القدرة على فهم الواقع المحلي

في زمن تتقدم فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة نحو فهم اللغة وسلوك الإنسان، يبرز سؤال يتجاوز حدود الكفاءة التقنية: هل تستطيع الآلة أن تفهم الثقافة كما تُعاش لا كما تُكتب؟ وهل بوسعها أن تلتقط ما يختبئ وراء المفردة الإماراتية من ذاكرة وعادة وقيمة، وأن تميز بين المعنى اللغوي والسياق الذي يمنح الكلمة روحها؟

فمع أن «الخوارزميات» قطعت أشواطاً كبيرة في التعرف إلى اللهجات والمفردات المحلية، فإن المسافة لا تزال قائمة بين معرفة الكلمة وفهم عالمها؛ بين أن تدرك الآلة معنى «السنع» أو المثل الشعبي، وأن تفهم متى يُقال، ولمن، وما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية.

وهي فجوة تمتد إلى الشعر النبطي والعادات والطقوس ولغة المجالس، حيث لا يستقر المعنى في الكلمات وحدها، بل يتشكل أيضاً من النبرة والموقف والذاكرة والسياق.

في هذا التحقيق، تضيء «البيان» على حدود قدرة الذكاء الاصطناعي الراهن على فهم خصوصية الثقافة الإماراتية، من خلال آراء باحثين ومختصين، وترصد أبرز التحديات التي تفصل بين اللغة الحيّة وتمثيلها رقمياً، إلى جانب الجهود البحثية الساعية إلى بناء نماذج أكثر وعياً بالعربية وتنوعها الثقافي.

فالتحدي لم يعد مجرد «تعريب» الذكاء الاصطناعي، بل الانتقال به إلى مرحلة أعمق: توطينه ثقافياً، بحيث لا تعرف الآلة المفردة فحسب، وإنما تدرك سياقها، ولا تقرأ الثقافة بوصفها بيانات، بل تقترب من فهم الإنسان الذي يمنحها معناها.

طبيعة المدخلات

وفي هذا السياق، أكد البروفيسور الدكتور محمد عبد الظاهر، الرئيس التنفيذي لمؤسسة صحافة الذكاء الاصطناعي للبحث والاستشراف (AIJRF)، أن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، سواء القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) أو الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، على فهم مفردات الثقافة الإماراتية والسياقات المحلية، تتوقف بشكل أساسي على جودة وطبيعة المدخلات التي يزودها المطورون وصناع الأدوات والأنظمة.

وأوضح الدكتور عبد الظاهر أن جميع أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي تواجه صعوبة كبيرة في استيعاب الثقافة العربية بوجه عام، وذلك نتيجة للتنوع الواسع في مفردات اللغة العربية، سواء بين الفصحى أو اللهجات المحلية المختلفة.

إلا أنه أشار إلى أن بعض الأنظمة قادرة على استيعاب مفردات الثقافة الإماراتية، إذا تم اعتماد إدخال هذه المفردات بطريقة واضحة ومحددة، ما يتيح للأدوات الاعتماد على التعلم الآلي المباشر ومعالجة اللغات الطبيعية لتكتسب تلك المفردات بصورة أسهل وأسرع.

وفيما يتعلق بالتحديات التقنية والمعرفية التي تؤدي إلى الوقوع في أخطاء عند تفسير عناصر الهوية والموروث الشعبي كاللهجة والعادات والأمثال، بيّن الرئيس التنفيذي لـ(AIJRF) أن التحدي الرئيس يكمن في كون اللغة في أصلها شفهية وصوتية، بينما تعتمد معظم نماذج الذكاء الاصطناعي في تدريبها على النصوص المكتوبة التي لا تعكس طبيعة الأصوات أو النبرات أو أسلوب التعبير عن الكلمة والجملة.

وأضاف أنه لو تم إدخال المفردات بطريقة صوتية مصحوبة بالتفسير الصوتي المناسب، لاستطاعت أدوات معالجة اللغات الطبيعية التقاطها وترجمتها وتفسيرها بالصورة المثلى، مؤكداً أن تجاوز هذا التحدي يتطلب مشاركة متخصصين وذوي خبرة باللهجة الإماراتية لإدخال هذا الموروث اللغوي والثقافي بأسلوب وصوت إماراتي خالص.

وحول إمكانية تطوير نماذج وأدوات متخصصة لتمثيل الثقافة والهوية الإماراتية بدقة، أكد البروفيسور الدكتور محمد عبد الظاهر إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن الأمر يستلزم إجراء حصر شامل لأهم مفردات اللهجة المحلية، سواء كان هذا الحصر نصوصاً مكتوبة، أو تسجيلات صوتية، أو مواد مصورة، ومن ثم تغذية مختلف نماذج الذكاء الاصطناعي بها.

واختتم بالإشارة إلى أن بناء هذه الأدوات يتطلب تطوراً كبيراً في النماذج المتخصصة، إلى جانب تدريب مكثف واختبارات متكررة للنماذج على التحدث باللهجة الإماراتية وتفسير الموروثات الثقافية، لضمان نمذجة هذه الأدوات وتنميطها بطريقة صحيحة وواقعية تعكس أصول الثقافة الإماراتية.

قفزات مذهلة

من جانبه، أكد الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تطبيقات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي بجامعة أم القيوين، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، برغم ما حققته من قفزات مذهلة، تعاني فجوة بين المعالجة اللغوية والفهم الثقافي السياقي، مشيراً إلى أن الأنظمة قادرة على التعرف إلى مفردات الثقافة الإماراتية جيداً، لكنها بعيدة عن استيعاب الروح العميقة للمجتمع الإماراتي.

وأوضح أنه لا يمكن إنكار الشوط الكبير الذي قطعته نماذج الذكاء الاصطناعي في تمييز الكلمات العامية الإماراتية وربطها بمعانيها، وتحسّن قدراتها في معالجة اللهجة، لافتاً إلى أن الأنظمة أصبحت تتعرف إلى مصطلحات التراث وتقدّم تعريفات عامة صحيحة عنها.

واستدرك أن الفهم الحقيقي للثقافة، الذي يستلزم استيعاب القيم والأعراف، لا يزال بعيد المنال، مستعرضاً أبرز مظاهر القصور في تحليل المنظومة والاجتماعية؛ إذ تقتصر الأنظمة على ترجمة مفردات، مثل: «السنع» و«الزينة» و«الحشمة» و«الهيبة»، إلى تعريفات لغوية جامدة.

ولفت إلى أن الأنظمة تتعامل مع الأمثال مثل: «اللي ما له أول ما له تالي» أو «السكوت من ذهب» كجمل قصيرة، وتفشل في استيعابها كفلسفة متكاملة، مبيناً أنه في ميدان الشعر النبطي تستطيع الخوارزميات تحليل البيت شعرياً، وتعجز عن فهم سياقه التاريخي والوجداني.

وقال: «إن الذكاء الاصطناعي اليوم يعامل الثقافة الإماراتية كنص يجب تحليله، بينما هي في الحقيقة حياة تعاش»، مشدداً على أن الاستثمار في بناء ذكاء اصطناعي يعي الهوية الثقافية ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية لحفظ الذاكرة الجمعية.

وبيّن أن أخطاء تفسير عناصر الهوية الإماراتية لا تنبع من غباء الآلة، بل من قصور بنيوي في تصميم النماذج وتغذيتها، مقسّماً التحديات إلى: تقني ومعرفي.

وأشار إلى ندرة البيانات الرقمية المهيكلة، حيث إن معظم الموروث الإماراتي الأصيل كان شفوياً قبل التدوين، متطرقاً إلى إشكالية «التجزئة اللغوية»، حيث تُقطَّع مفردات، مثل: «الطواش» و«اليراع» و«السنع»، إلى مقاطع غير مفهومة للخوارزمية، ما يُفقدها معناها الدلالي.

وأضاف أن العادات تُمارَس كطقوس تحمل معرفة ضمنية وليست مجرد أفعال حركية، مستشهداً بعادة هزّ الفنجان، فالنظام يراها حركة يد مجردة، بينما هي اجتماعياً تعبر عن الاكتفاء واحترام المضيف.

وعن إمكانية تطوير أدوات قادرة على تمثيل الهوية الإماراتية، أكد الدكتور السر أنها ضرورة لا تحتمل التأجيل، مشدداً على عدم تحققها بتعديل نماذج أجنبية، بل بإيجاد منظومة معرفية متكاملة تستند إلى بناء قواعد وبيانات أصيلة، واعتماد منهجيات حديثة، وتكامل الخبرات والتخصصات.

ورأى ضرورة جمع وتصنيف المدونات النصية واللهجية، وتوثيق المفردات المندثرة، ورقمنة الموروث الشفهي والأدبي مع تقديم شروح سياقية، وتوفير بيانات متعددة الوسائط، داعياً إلى تبني منهجية تكون فيها اللهجة والثقافة الإماراتية اللغة الأم للنموذج، والاعتماد على التعلم المقيد بالسياق الثقافي من الخبراء، والتقييم المستمر، وتطور النموذج.

وشدد على أن بناء النظام يتطلب تضافر جهود فريق متعدد التخصصات، قائلاً: «إن بناء ذكاء اصطناعي يمثل الهوية الإماراتية من أفعال السيادة الثقافية، ولا يمكننا ترك سرد قصتنا وتفسير تراثنا لخوارزميات صُممت في مختبرات لا تعرف طعم القهوة العربية ولا إيقاع الشعر النبطي، والإمارات جديرة بالريادة في بناء ذكاء اصطناعي يحمل روحها ويتحدث بلسانها».

فجوة حقيقية

وفي تحليل معمّق لواقع الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، أكدت كريمة قضوي، طالبة الدكتوراه في معالجة اللغة الطبيعية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن نتائج معيار JEEM، الذي يُعَدُّ أداة تقييم واختبار مرجعية مفتوحة طُورت لتقييم مدى قدرة نماذج الرؤية واللغة للذكاء الاصطناعي، كشفت عن فجوة حقيقية وواضحة تتجاوز مجرد القدرة على صياغة الجمل، لتشمل قصوراً في فهم السياق الثقافي والبصري واستخدام اللهجات المحلية، موضحةً أن النماذج الحالية قد تقدّم إجابات مقبولة لغوياً، لكنها غالباً ما تخطئ في إدراك العناصر الثقافية أو السياقات البصرية.

واستشهدت قضوي بمثال «الحلوى العُمانية» الذي ورد في الدراسة، حيث عجزت النماذج ومحلّلون من دول عربية مختلفة عن تمييزها بدقة، باستثناء المحلّل الإماراتي، ما يعكس حاجة النماذج إلى معرفة محلية دقيقة تتجاوز الإلمام العام باللغة، مشيرةً إلى أن أبرز أسباب هذا القصور ضعف التعرف إلى العناصر المحلية كالأطعمة والملابس والمشاهد الاجتماعية، وصعوبة التعامل مع اللهجات، إذ تلجأ النماذج للفصحى أو تخلط بين لهجات عدة بشكل غير دقيق، هذا إلى جانب مشكلات تقنية مثل «الهلوسة» وعدم القدرة على ربط الإجابة بما يظهر فعلياً في الصورة.

وحول الحلول المقترحة، بيّنت كريمة قضوي أن معيار JEEM لا يهدف إلى سد الفجوة مباشرة، بل يسعى لإظهارها وتقديم رؤى واضحة للباحثين حول مكامن الخلل، لافتةً إلى أن المعيار يغطي 4 بيئات ولهجات أساسية (الإماراتية، والمصرية، والأردنية، والمغربية) بالاعتماد على صور وتعليقات من متحدّثين أصليين.

وشددت على ضرورة التمييز بين المعيار وعملية التقييم، حيث إن JEEM أداة اختبار مفتوحة تضع النماذج أمام تحديات تحاكي الاستخدام الحقيقي في المنطقة، مثل القدرة على فهم الصور المحلية والإجابة بلهجة طبيعية.

وفيما يخص التطلعات المستقبلية، أعربت كريمة قضوي عن إيمانها بمستقبل واعد للذكاء الاصطناعي العربي، شريطة الانتقال من سؤال «دعم اللغة» إلى سؤال «فهم الواقع اليومي» بتنوعه الثقافي، محددةً مجموعة من الخطوات العملية لضمان دقة التمثيل الثقافي، تشمل تطوير موارد عربية متنوعة لصور وسياقات من الحياة اليومية، وإشراك المتحدثين الأصليين والمجتمعات المحلية في إعداد البيانات وتقييمها، ومراجعة طرق التقييم الحالية لتبنّي مقاييس أكثر حساسية للهجات والدلالات البصرية.

واختتمت مؤكدةً أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء نماذج تفهم المنطقة العربية بتعدد ثقافاتها، ما يتطلب وضع الواقع العربي في قلب عملية التطوير.

من هنا، يبدو أن تجاوز الفجوة لا يتوقف عند «تعريب الذكاء الاصطناعي»، بل يتطلب الانتقال إلى مرحلة أعمق تتمثل في «توطينه ثقافياً»، عبر بناء موارد إماراتية وعربية واسعة، تشمل اللغة واللهجات والصور والتسجيلات والسياقات المرتبطة بالحياة، وإشراك المتحدثين والمتخصصين والمجتمعات المحلية في إنتاج البيانات وتقييم النماذج، إلى جانب تطوير اختبارات أكثر دقة تقيس قدرة الأنظمة على فهم الثقافة والواقع اليومي والدلالات البصرية، لا مجرد سلامة اللغة وصياغة الإجابات.

وبهذا المسار، يمكن أن تنتقل الخوارزميات من معرفة المفردة إلى إدراك سياقها، ومن التعامل مع الثقافة كبيانات هامشية إلى اعتبارها جزءاً أصيلاً من تطوير الذكاء الاصطناعي.

«توطين» الذكاء ثقافياً

أكد الدكتور أحمد المنصوري، الأستاذ المشارك وعضو هيئة التدريس في قسم الإعلام والصناعات الإبداعية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، أن قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على تطوير خصائصه والتكيف مع اللهجات والثقافات المحلية تشهد قفزات متسارعة، مشيراً إلى أن التقنيات الحالية أصبحت أكثر تطوراً، مقارنة ببدء انتشارها قبل أربع أو خمس سنوات، متوقعاً أن تشهد السنوات الخمس المقبلة تحولاً استثنائياً ومراحل متقدمة في هذا المجال.

وأوضح المنصوري أن النماذج الحالية، برغم تطورها، لا تزال غير قادرة بالمستوى المطلوب على استيعاب كل الخصوصيات المحلية للثقافة الإماراتية ولغتها الدارجة بمفاهيمها العميقة، مؤكداً في الوقت ذاته أن المستقبل يحمل تحسناً كبيراً في هذا المسار بفضل المراجعة والتحديث المستمر لتلبية متطلبات مختلف الشرائح المحددة للمستخدمين.

وحول أهمية الانتقال من مرحلة «تعريب» الذكاء الاصطناعي إلى «توطينه ثقافياً»، شدد المنصوري على أن دولة الإمارات سبّاقة في أخذ زمام المبادرة، حيث أدرجت البُعد الثقافي والهوية الوطنية ضمن مشاريعها الرائدة لتبنّي الذكاء الاصطناعي في مجالات الفضاء والاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار.

وأشار إلى أن تطوير أدوات ذكية تنطلق من الواقع المحلي يضمن عدم الخضوع لبرامج تقنية خارجية تفتقر للسيطرة أو القدرة على التطوير، واصفاً الاستثمار في هذا القطاع التقني بأنه «استثمار وطني استراتيجي» يعزز صون الثقافة المحلية، ويرسّخ حضور الهوية الإماراتية في العالم الرقمي.