لا تغيب قصائده برغم رحيله، ولا تزال كلماته نبراساً يضيء الطريق أمام الأجيال الشابة؛ إنه الشاعر والأديب والإعلامي الإماراتي الراحل حبيب الصايغ، أحد أبرز الأصوات الشعرية والثقافية في الإمارات، والذي ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ثرياً ظل حاضراً في الذاكرة رغم غياب صاحبه.
شغل الصايغ، الذي مرت ذكرى رحيله عن دنيانا في 20 أغسطس، منصب الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، كما ترأس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وأسهم طوال مسيرته في إثراء المشهد الثقافي الإماراتي والعربي، مدافعاً عن مكانة الكلمة ودور الأدب في بناء الوعي وتعزيز الهوية.
ترك الصايغ بصمة شعرية خاصة، تنوعت فيها الموضوعات، ولامس خلالها تفاصيل الإنسان والوطن والزمن، وحملت في لغتها إحساساً عميقاً ورؤية إنسانية رحبة. ومن أبرز أعماله:
«هنا بار بني عبس.. الدعوة عامة»، و«التصريح الأخير للناطق باسم نفسه»، و«قصائد إلى بيروت»، و«ميارى» و«الملامح» و«قصائد على بحر البحر» و«وردة الكهولة» و«غد» و«رسم بياني لأسراب الزرافات» و«كسر في الوزن»، فضلاً عن العديد من القصائد التي ألقاها في الكثير من المناسبات الوطنية والأدبية.
يستعيد الكاتب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، سيرة الصايغ، مستحضراً شاعراً وأديباً وإعلامياً فذاً، ويقول لـ«البيان»:
«تستعيد الذاكرة صوتاً شعرياً متفرداً، وقامة ثقافية ووطنية كبيرة، وشخصية وطنية كرست حياتها للكلمة، وجعلت من الشعر موقفاً، ومن الثقافة رسالة، ومن الانتماء إلى الوطن مسؤولية.
كان حبيب الصايغ مشروعاً ثقافياً متكاملاً، جمع بين موهبة الشاعر، ووعي المثقف، وخبرة الصحافي، وحضور الإنسان الذي آمن بأن للكلمة دوراً يتجاوز حدود الجمال، ليصبح دفاعاً عن القيم والهوية والذاكرة.
لذلك بقيت قصيدته مرتبطة بأسئلة الإنسان والوطن والزمن، تستمد قوتها من صدق التجربة، ومن قدرة صاحبها على التقاط التفاصيل وتحويلها إلى صور ودلالات تفتح أمام القارئ آفاقاً واسعة للتأمل».
ويضيف: «كان حبيب الصايغ واحداً من أبرز الأصوات التي أسهمت في تأسيس المشهد الشعري الحديث في دولة الإمارات العربية المتحدة. خاض مغامرة التجديد بثقة، وكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وظل في جميع تجاربه محتفظاً بصوته الخاص، ولغته التي تجمع بين العمق والشفافية، وبين الحس الوطني والقلق الإنساني».
وأكد أن الصايغ كان في الصحافة صاحب قلم شجاع ورأي واضح وموقف ثابت، لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها عملاً عابراً، وإنما بوصفها شهادة على العصر ومسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.
لافتاً إلى أن مقالاته كانت تنبض بالوعي، وتكشف عن مثقف يتابع ما يدور حوله بعين الناقد وقلب المواطن، ويضع مصلحة وطنه فوق كل اعتبار، مضيفاً:
«أما في العمل الثقافي، فكان حاضراً بجهده ورؤيته ومبادراته، سواء من خلال اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، أم من خلال الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، أم عبر مشاركاته الواسعة في المؤتمرات والملتقيات العربية والدولية.
حمل الثقافة الإماراتية إلى المحافل العربية والعالمية، وأسهم في ترسيخ مكانة الإمارات بوصفها حاضنة للإبداع والفكر والحوار».
ويردف: «كان قريباً من الأجيال الجديدة، مؤمناً بالمواهب الشابة، حريصاً على أن يفتح أمامها الأبواب ويمنحها الثقة. لم يكن يرى في نجاح الآخرين انتقاصاً من حضوره، وإنما إضافة إلى المشهد الثقافي الذي نذر حياته لخدمته. وهذه واحدة من الصفات التي تبقى محفوظة في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه».
ويختتم علي عبيد الهاملي حديثه: «غاب حبيب الصايغ عن عالمنا، لكن صوته لم يغب. ما زالت قصائده تُقرأ، ومقالاته تُستعاد، ومواقفه تُذكر، وآثاره تشهد على حياة حافلة بالعطاء.
فالمبدعون الحقيقيون لا يرحلون لإنهم يتركون أجزاءً من أرواحهم في الكلمات، ويواصلون حضورهم كلما فتح قارئ كتاباً لهم، أو استعاد صديق موقفاً، أو تذكّر الوطن واحداً من أبنائه المخلصين.
نستذكره شاعراً حمل وطنه في قلبه وقصيدته، ومثقفاً عاش للكلمة، وإنساناً ترك في النفوس أثراً لا يمحوه الغياب. رحم الله حبيب الصايغ، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وثقافته وأدبه خير الجزاء. سيبقى اسمه حاضراً، وستظل كلماته شاهدة على شاعر رحل جسداً، لكنه بقي بيننا إبداعاً وذكرى ومحبة».
أثر عميق
ويقول الأديب علي أبو الريش لـ«البيان»: «الكبار يرحلون، لكنهم لا يغيبون، إذ يظلون حاضرين في الذاكرة بما تركوه من إبداع وإرث ثقافي، وبما نقشوه من أثر عميق في المشهد الثقافي، محلياً وعربياً وعالمياً، يواصل حضوره وتأثيره عبر الأجيال ولا يُمحى مع الزمن».
ويضيف أبو الريش: «حبيب الصايغ نشأ كبيراً، واستمر كبيراً، ورحل كبيراً؛ لذلك فإن استحضار إرثه وإنجازاته الشعرية والثقافية ليس مجرد استعادة لذكرى، بل استحضار لتجربة راسخة في الأذهان، ولا تزال مؤثرة في الناس، وقادرة على أن تظل حاضرة في الوجدان، بما تحمله من قيمة إبداعية وفكرية وإنسانية عميقة».
