السيد رمضان
حين ترتفع حرارة الصيف، لا تخفت في دبي حرارة المشهد الثقافي، بل تتسع مساحاته وتتعدد وجهاته، لتتحول أيام الموسم إلى فرصة جديدة لاكتشاف المعرفة والفنون والإبداع. فخلف الأبواب التي قد توحي للوهلة الأولى بالهدوء، تنبض المؤسسات الثقافية ببرامج حافلة تستعيد حيوية المدينة، من الورش والمعارض والعروض السينمائية، إلى المخيمات التعليمية والجلسات الحوارية والفعاليات العائلية، في مشهد يضع الجمهور أمام تجارب تتجاوز التلقي التقليدي إلى المشاركة والتفاعل.
وتتبلور ملامح تحول يتجاوز فكرة الموسم الثقافي المحدود، نحو ثقافة ممتدة على مدى العام، يجد فيها الأطفال واليافعون والعائلات والقراء والفنانون والشباب مساحات مختلفة تلامس اهتماماتهم وتستجيب لتطلعاتهم.
وبقدر ما تكشف هذه البرامج عن تنوع أدوات المؤسسات في استقطاب الجمهور، فإنها ترصد أيضاً تغيراً في سلوك المتلقي، الذي بات يبحث عن تجارب حية وتفاعلية تتيح له التعلم والاكتشاف وصناعة التجربة، ما يؤكد أن صيف دبي لم يعد موسماً للركود، بل محطة إضافية في حراك ثقافي لا يعرف التوقف.
برامج نوعية
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد سالم المزروعي، عضو مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، في تصريح لـ«البيان»: «نجح المشهد الثقافي في دبي في إعادة تعريف مفهوم الموسم الصيفي، الذي أصبح فرصة لتوسيع المشاركة الثقافية والوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع، وفي مكتبة محمد بن راشد نترجم هذا التوجه من خلال برامج نوعية ومتنوعة تجعل منها وجهة حيوية للعائلات والأطفال واليافعين والقرّاء والمبدعين، وتجمع بين المعرفة والتعلم والفنون والإبداع والترفيه الهادف».
وأضاف: «يمثل برنامج المكتبة خلال شهر أغسطس نموذجاً لهذا النهج، بما يضمه من مخيمات ومعسكرات تعليمية وورش تدريبية وجلسات حوارية وأمسيات شعرية وعروض مسرحية ومعارض ثقافية وفنية، صُممت لتتجاوز الفعالية المؤقتة إلى تجارب تفاعلية تعزز ارتباط الجمهور بالمكتبة وتشجعه على العودة إليها بصورة مستمرة. ونولي اهتماماً خاصاً بالأطفال واليافعين، عبر تجارب تجمع القراءة بالتعلم والفنون والتعبير عن الذات، بما يسهم في بناء علاقة مبكرة ومستدامة بالثقافة».
واختتم المزروعي: «إن الإقبال على هذه البرامج يعكس تطوراً في علاقة المجتمع بالثقافة، وتزايد الاهتمام باستثمار الصيف في التعلم واكتساب المهارات والانفتاح على التجارب الإبداعية. ومن هذا المنطلق، نحرص على أن تبقى المكتبة مساحة حيوية للمعرفة والتفاعل على مدى العام، وأن يكون الصيف موسماً إضافياً للحراك الثقافي والإبداع، لا موسماً للركود».
مهارات جديدة
وأكدت أحلام بلوكي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، أن الصيف في دبي لم يعد مجرد فترة زمنية للبحث عن نشاط يبقي الطفل مستمتعاً، بل تحول إلى فرصة حقيقية لبناء عادات صحية، واكتساب مهارات جديدة، وتوفير مساحات تجمع العائلات حول تجارب مشتركة تثريهم معرفياً وثقافياً.
وأوضحت بلوكي أن البرامج التي تطرحها المؤسسة، سواء عبر مبادراتها المباشرة أو من خلال «مركز دبي الدولي للكتّاب»، تُصمَّم بعناية لتستهدف أفراد المجتمع كافة على اختلاف اهتماماتهم، بدءاً من القارئ والمؤلف، وصولاً إلى محبي الألعاب والفنانين والحالمين، لافتة إلى أن المؤسسة وسّعت نطاق برامجها لتتجاوز الشكل التقليدي لنوادي القراءة، مقدمة أنشطة تثير الاهتمام بالأدب بشكل غير مباشر عبر منافذ متعددة.
وأشارت إلى أن مدخل الطفل إلى عالم القصص قد يكون لعبة، أو شخصية مفضلة، أو فيلماً، أو شغفاً بالفضاء وصناعة المحتوى، مستشهدة بالعديد من البرامج الناجحة، مثل أكاديمية «دوج مان» التفاعلية، وأمسيات الألعاب، ومخيم الخيال العلمي المقام بالتعاون مع «مركز محمد بن راشد للفضاء»، الذي مزج بين علوم الفضاء والكتابة الإبداعية.
وأكدت بلوكي في هذا السياق قناعة المؤسسة بأن «كل الطرق تؤدي إلى الأدب والكتب»، مشددة على أن الهدف من الأنشطة الصيفية هو منح الطفل تجربة ممتعة ذات معنى يكتشف من خلالها الأدب دون أن يشعر بأنه في حصة تعليمية تقليدية.
وحول التغير في سلوك الجمهور، بيّنت أحلام بلوكي أن الجمهور أصبح أكثر انتقائية في كيفية قضاء وقته، ولم يعد يبحث عن المحاضرات التقليدية بقدر بحثه عن تجارب تفاعلية تتيح له التعبير والمشاركة واكتساب المهارات، مضيفة أن مفهوم «قارئ» و«غير قارئ» ليس بالبساطة السائدة، إذ يكفي أن يجد الشخص الموضوع أو التجربة التي تخاطبه ليرتبط بعالم الأدب. كما نوهت بتوسع قاعدة المشاركين وتنوع خلفياتهم، مؤكدة أن أهمية هذا التنوع تتفوق على مجرد زيادة الأعداد.
وفي ختام حديثها، شددت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب على أن الثقافة في دبي أصبحت منظومة مستمرة على مدى العام بفضل تكامل جهود المؤسسات الثقافية من فنون ومتاحف وعلوم وتراث، وأن دبي أضحت تتيح بيئة غنية تجعل الصيف موسماً حافلاً بالاكتشاف والتعلم، مؤكدة أن مؤسسة الإمارات للآداب ومركز دبي الدولي للكتّاب يمثلان جزءاً محورياً من هذا المشهد الأدبي المزدهر الذي يستهدف القرّاء والكتّاب والطلاب والمعلمين على حد سواء.
تحوّل ملموس
وأكد كيفن جونز، مدير الاستراتيجية والمدير الفني في مؤسسة «السركال»، أن الصيف يشكّل جزءاً أصيلاً ومدمجاً ضمن البرنامج الثقافي لـ«السركال أفنيو» المستمر على مدى العام، مشيراً إلى أن المفهوم التقليدي الذي ينظر إلى فصل الصيف كموسم هادئ ثقافياً يشهد تحولاً ملموساً بفضل المبادرات والبرامج المبتكرة التي تستجيب لإيقاع المدينة وتفاعلات قاصديها.
وأوضح جونز أن إدارة «السركال» تنظر إلى هذا الموسم بوصفه فرصة استراتيجية لابتكار تجارب تناسب طبيعة الصيف وتلبي تطلعات الجمهور، حيث صُمِّم البرنامج الثقافي بعناية ليتماشى مع حراك دبي، متمثلاً في تقديم مجموعة متنوعة وشاملة من الأفلام السينمائية، وورش العمل المخصصة، والمعارض الفنية، والحوارات الفكرية التي تشجع الزوار على التفاعل والتأمل العميق، سواء كانوا من الزوار الجدد أو من رواد السركال الدائمين.
وأشار إلى أن المجتمع الإبداعي يمثل الركيزة الأساسية للبرنامج الصيفي، حيث يحتضن «السركال أفنيو» صالات عرض، واستوديوهات لفنانين وممارسين مبدعين، إضافة إلى مؤسسات ثقافية تواصل تقديم أعمالها وبرامجها دون انقطاع على مدى السنة، لافتاً إلى أن هذا الاستمرار يسهم في خلق منظومة ثقافية متكاملة ونشطة، ما يرسخ الثقافة في دبي كتجربة حيّة ومستمرة لا تقتصر على مواسم محددة.
وبيّن جونز أن الفعاليات الصيفية تم تصميمها بعناية لتستقطب مختلف الشرائح العمرية والمجتمعية، حيث شملت تنظيم برنامج سينمائي بالتعاون مع «سينما عقيل»، يشمل مبادرات عائلية مثل «Cinemini»، وبرامج موجهة للشباب مثل «جلسات خطر» لتعزيز الحوار والتجارب المشتركة، إضافة إلى توسيع نطاق الأنشطة الموجهة للجمهور الأصغر سناً بقيادة أعضاء المجتمع الإبداعي، إلى جانب استضافة مؤسسة السركال للفنون لإقامة «المطبخ كاستوديو» الفنية الممتدة لثلاثة أشهر لتشجيع التفاعل المباشر مع الفنانين، وتقديم ثلاثة تكليفات فنية رقمية جديدة تعيد تصور الحياة اليومية عبر الوسائط الرقمية.
وشدد جونز على أن التفاعل المستمر والكثيف مع برامج السركال الصيفية يعكس تحولاً ملموساً في سلوك الجمهور وتفضيلاته الثقافية، حيث يلاحظ تزايد الإقبال على التجارب الثرية والممتدة التي تتيح مساحة للتفاعل العميق مع الفنانين والممارسات الإبداعية، سواء من خلال العروض السينمائية، أو البرامج العائلية، أو الورش التفاعلية.
واختتم كيفن جونز تصريحه بتأكيد أن «السركال» تواصل الاستجابة لهذه التحولات الاجتماعية والثقافية من خلال طرح برنامج مستمر ومستدام على مدى السنة، موضحاً أن الثقافة ليست مجرد نشاط مؤقت، بل هي عنصر أصيل ومستدام في تفاصيل الحياة اليومية بدبي.








