ذاكرة دبي.. أمانة تتوارثها الأجيال

مراحل تطور كبيرة شهدتها دوائر الإمارة ومؤسساتها
مراحل تطور كبيرة شهدتها دوائر الإمارة ومؤسساتها

يمثل توثيق تاريخ دبي جسراً يصل بين ذاكرة الماضي ووعي الأجيال الجديدة، ويحفظ تفاصيل مرحلة مهمة من مسيرة الإمارة وتحولاتها. ولا تقتصر هذه الذاكرة على الكتب والوثائق الرسمية.

بل تمتد إلى الروايات الشفوية والشهادات الشخصية التي يحملها أبناء الرعيل الأول ممن عاصروا مراحل التأسيس والتحولات الكبرى في المجتمع الإماراتي وبدايات الاتحاد، لتنتقل حكاياتهم من جيل إلى آخر، وتبقى شاهدة على ملامح الحياة التي أسهمت في تشكيل دبي الحديثة.

أحمد أيوب يجمع الوثائق والشهادات لحفظ تفاصيل وقصص من تاريخ دبي
أحمد أيوب يجمع الوثائق والشهادات لحفظ تفاصيل وقصص من تاريخ دبي

ومع تسارع وتيرة التطور، تبرز مسؤولية الأجيال المتعاقبة في الحفاظ على هذه الذاكرة، من خلال جمع الروايات والوثائق والشهادات، وتوثيقها بأساليب تضمن بقاءها حاضرة ومتاحة للأجيال المقبلة.

ومن هنا يأتي دور المهتمين بالتاريخ والتراث ممن أخذوا على عاتقهم جمع تفاصيل الماضي وحفظها، لتتحول الذكريات الفردية إلى سجل يوثق جانباً من الذاكرة الجماعية للإمارة.

شهادات

وفي هذا السياق، تبرز جهود أحمد أيوب في جمع الوثائق والشهادات والذكريات وتوثيقها، بما يسهم في حفظ تفاصيل من تاريخ دبي الاجتماعي والإنساني، وإبقاء قصص أهلها حاضرة في ذاكرة الأجيال.

وأكد أيوب، في حديثه لـ«البيان»، أن حفظ ذاكرة دبي «مسؤولية وطنية»، تستوجب رواية تفاصيلها بدقة وحرص وأمانة، لتبقى شاهدة على التاريخ، وجسراً يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.

بدأ شغف أيوب بتوثيق تاريخ دبي، مع انتقال عائلة الشاب من منزلهم القديم، آنذاك ظهرت بين الأمتعة وثائق يعود عمرها إلى أكثر من قرن. وهنا، قرر أحد أفراد أسرة أحمد أيوب التمسك بهذه الأوراق، وأصر على الاحتفاظ بها. وهو ما تحول لاحقاً إلى مشروع طويل لتوثيق ذاكرة دبي.

أرشيف

وقال أحمد أيوب: إن تلك الوثائق تعود إلى جده الأكبر عبدالكريم محمود، الذي تولى إدارة الفرضة (الجمارك) في دبي بين عامي 1920 و1938، في مرحلة كانت الفرضة تمثل القلب التجاري للإمارة، وتتولى مسؤوليات واسعة تشمل تنظيم التجارة، والرسوم الجمركية، وإدارة حركة السفن والبضائع، قبل نشوء الدوائر الحكومية بصورتها الحديثة.

وأشار إلى أن أهمية الوثائق لا تكمن في قدمها فقط، بل في أنها تسجل مرحلة تأسيسية من تاريخ دبي.

لم يتردد أيوب في تولي مسؤولية تحويل الوثائق إلى أرشيف إلكتروني يحتفظ به داخل العائلة، يعود إليه، يتمعن فيه، ويستقرئ معانيه؛ لاحقاً حمل شغفه هذا معه إلى بريطانيا، حيث توجه لدراسة القانون.

وهناك، وبين رفوف المكتبات ومراكز الدراسات التاريخية، بدأ يفك رموز الوثائق القديمة، ويقارنها بالمراجع التاريخية، ويربط أسماء الأشخاص والأماكن بالأحداث التي رسمت ملامح دبي في النصف الأول من القرن العشرين.

منذ الوهلة الأولى، أدرك أحمد أيوب أن الوثائق ما هي إلا البداية؛ وهكذا قرر مع عودته إلى الإمارات، أن يبحث عن الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة أو ورثوا رواياتها، ليبدأ رحلة جديدة في التوثيق الشفوي.

فأجرى مقابلات مع أكثر من 35 شخصية من الرعيل الأول، بينهم مسؤولون سابقون، ورجال أعمال، وشخصيات اجتماعية عاصرت بدايات الاتحاد، لتتحول الأوراق الصامتة إلى شهادات حيّة تملأ الفراغات التي لا تستطيع الوثيقة وحدها أن ترويها.

وأحمد أيوب حصل بعدها على جائزة أفضل موثق لإرث دبي الشفهي ضمن جوائز مبادرة إرث دبي، تقديراً لمشاركته المتميزة في توثيق القصص والذكريات والتجارب الحياتية لسكان المدينة.

ثقة وبحث

وأكد أحمد أيوب أن أصعب ما في هذا العمل ليس العثور على الوثائق، بل الوصول إلى أصحاب الذاكرة؛ فبناء الثقة مع كبار المواطنين يحتاج إلى وقت طويل، كما أن كثيراً منهم يتحفظون على نشر رواياتهم، ما يجعل التوثيق مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون عملاً بحثياً.

ولهذا، أشار إلى أن ما يعلنه ليس إلا جزءاً مما جمعه، إذ هو يجد نفسه ملزماً أخلاقياً بالاحتفاظ بجزء كبير من المادة التي جمعها مطوية إلى أن يحين الوقت المناسب لنشرها، احتراماً لرغبات من وثقوا شهاداتهم، وإيماناً بأن توثيق التاريخ لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يتطلب أيضاً المحافظة على سياقها ودقتها.

ويرى أن الإمارات تمتلك رصيداً ضخماً من الذاكرة الشفوية التي لاتزال موزعة بين البيوت والمجالس، محذراً من ضياعها مع مرور الزمن إن لم تُوثق بصورة مؤسسية، ويقترح إطلاق مبادرات متخصصة لدعم الباحثين الشباب، وتسهيل وصولهم إلى الشخصيات التاريخية.

مشروع توثيقي

ورغم أن مشروعه بدأ بوثائق عائلية، فإنه لم يعد يعتبره مشروعاً شخصياً، بل مسؤولية وطنية؛ فكل مقابلة يجريها، وكل وثيقة يعثر عليها، تمثل في نظره قطعة جديدة نادرة تروي تاريخ مدينة أبهرت العالم.

وهكذا، لم تعد تلك الأوراق القديمة مجرد وثائق نجت من الضياع، بل أصبحت الشرارة التي أعادت إلى الواجهة حكايات رجال ومؤسسات وأماكن أسهمت في صناعة دبي، لتتحول قصة عائلية بسيطة إلى مشروع يطمح إلى حفظ ذاكرة قرن كامل من تاريخ دبي للأجيال القادمة.