«الشعلة» من التشجير إلى الرمزية الثقافية

شجرة الشعلة مظلة طبيعية وجمالية تنبئ بقدوم فصل الصيف
شجرة الشعلة مظلة طبيعية وجمالية تنبئ بقدوم فصل الصيف

في فصل الصيف تكتسي دبي بحلّة فريدة تُكسبها رونقاً يزيدها تألّقاً وسحراً يبهج كل ناظر، حيث تتفتّح براعم أزهار «شجرة الشعلة» وتستحيل إلى اللونين الأحمر والبرتقالي لتتزيّن معها شوارع الإمارة وحدائقها بألوان زاهية وجميلة.

وفي كلمات تلخّص جمال هذه الشجرة وسحرها الأخّاذ، احتفى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، قائلاً عنها: «في دبي تزهر شجرة الشعلة في الصيف لتتجدد بها الحياة في بيوتنا ومجالسنا وشوارعنا وحدائقنا... وتزهر معها مدينةٌ لا تعرف إلا الحياة والجمال».

أغصان عريضة

تمتاز شجرة الشعلة بأغصان عريضة وأوراق خضراء دقيقة وأزهار كثيفة ذات لونين أحمر وبرتقالي.

وتكمن خصوصيتها بإزهارها في فصل يشتدّ فيه القيظ وتذبل فيه الكثير من الأشجار المزهرة. وتتميز «الشعلة» بسرعة نموها في سنواتها الأولى، ومظلّتها الواسعة التي توفّر ظلاً طبيعياً، إلى جانب قدرتها العالية على التكيُّف مع مناخ دبي الحار والرطب.

ويصل عمر هذه الشجرة إلى نحو 60 عاماً. وقد أصبحت اليوم جزءاً من المشهد الطبيعي للإمارة، معلنةً عن قدوم فصل الصيف كل سنة.

ويأتي تخصيص مساحة زمنية ومجتمعية للاحتفاء بالشجرة ليمنح المبادرة بعداً يتجاوز الزراعة؛ فالموسم يصنع موعداً سنوياً ينتظره الناس، ويشجعهم على مراقبة تغير المدينة وتصويره والمشاركة فيه. ومع تكرار هذه الطقوس، يمكن لشجرة الشعلة أن تصبح جزءاً من الرمزية الثقافية البصرية لدبي.

وفي هذا السياق قال الكاتب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي: «في هذه المدينة الساحرة لا تتحول الطبيعة إلى مجرد خلفية للمشهد الحضاري، ولكنها تصبح شريكاً في صناعة الوعي والجمال والإلهام، ليأتي موسم (شجرة الشعلة) حدثاً بصرياً، كأن الطبيعة نفسها قررت أن تكتب قصيدتها فوق الأرصفة والحدائق والشوارع».

وأضاف: «هذه الشجرة، التي تتوهج أزهارها كأنها مشاعل معلقة في الهواء، توقظ في داخل الكتّاب والفنانين شيئاً عميقاً يصعب تفسيره عن طريق الكلمات، بالقدر نفسه الذي تمنح المارة متعة بصرية لا حد لها. فالإبداع في جوهره ابن الدهشة.

ولهذا، فإن موسم (شجرة الشعلة) يمكن أن يتحول إلى مساحة مفتوحة لإعادة شحن الخيال، واستعادة العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة في مدينة اعتادت أن تصنع المعجزات من الرمل والضوء وكل ما يبهر البصر».

وتابع الهاملي: «الكاتب حين يسير تحت ظلال هذه الأشجار المتوهجة يرى استعارات جاهزة للكتابة. يرى المدينة التي تعرف كيف تزرع الخيال، حتى في أكثر الأماكن ازدحاماً بالإسمنت والزجاج، والفنان التشكيلي والمصور والموسيقيّ يجدون أنفسهم أمام حالة بصرية وعاطفية قادرة على تحريك مخيلتهم لأعمال أكثر دفئاً وعمقاً».

وأردف: «لعل أجمل ما في دبي أنها تتعامل مع الجمال باعتباره ضرورة حضارية، فحين تزهر (الشعلة) تزهر معها الأفكار والقصائد واللوحات والحكايات».

علاقة جديدة

وأكد الشاعر ماجد عبدالرحمن البستكي أهمية موسم شجرة الشعلة في إحداث حراك إبداعي، يستمد مواضيعه من البيئة المحلية، وقال: «يمنح موسم شجرة الشعلة الفنانين والكتّاب والمبدعين «مادة خام» متجددة؛ فالتباين بين وهج الأزهار، وخضرة الأوراق، وزرقة السماء، والخطوط المعمارية الحديثة، يخلق تكوينات جاهزة للرسم والتصوير، ما يضع الفنان أمام علاقة بين الطبيعة والعمارة والإنسان والضوء، وهي عناصر قادرة على إنتاج قراءات وأساليب متعددة».

وأضاف: «الأثر الأبعد للمبادرة يقاس بقدرتها على إنتاج علاقة جديدة بين المجتمع والفضاء الحضري، فعندما تتكرر صورة شجرة الشعلة في اللوحات والصور والأفلام والملابس والقصائد، تتحول تدريجياً إلى رمز ثقافي.

وعندما يترقب الناس إزهارها ويخرجون لتصويرها أو المشاركة في فعالياتها، يصبح الصيف نفسه موسماً للاكتشاف والإبداع».

نهج جمالي

وأكّد الفنان التشكيلي جاسم العوضي على أهمية المبادرة، مشيراً إلى ما يمكن أن تحدثه من أثر في حركة الإبداع العامة، وقال: «نحن نعيش في بيئة صحراوية، وغالباً ما تُقدَّم البيئة الصحراوية عالمياً بصورة نمطية، على أنها أرض قاحلة، غير أنّ الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عمل منذ بدايات الاتحاد على تشجير الصحراء وتحويلها إلى بيئة خضراء؛ لذلك، فإن الاهتمام بالتشجير وتجميل المكان ليس فكرة جديدة أو طارئة على الإمارات، بل هو نهج جمالي أساسي راسخ في الإمارات».

وأضاف: «يترك اللون أثراً كبيراً في النفس؛ فألوان أزهار هذه الأشجار، إلى جانب الأجواء الدافئة والمساحات الخضراء الممتدة على الطرق، تخلق نوعاً من التباين الفني الجميل والمريح بصرياً وتنشر البهجة».

وتابع: «الفنان، بطبيعة الحال، يبحث اليوم عن الموضوعات والأفكار غير المتوقعة، ولكل فنان رؤيته وفلسفته الخاصة.

ولذلك فإن اهتمام الحكومة بالطبيعة المحلية وجمالياتها، يدفع الفنان إلى إعادة النظر في بيئته والتأمل في تفاصيلها.

هذا الاهتمام يلفت نظر الفنان إلى ما تمتلكه البيئة المحلية من عناصر جمالية، ويمنحه دافعاً فنياً جديداً».