في زوايا جامعة الشارقة، وبين ممراتها التي تضج بخطى الطلبة وأحلامهم المؤجلة إلى الغد، تنهمك الطالبة الريم طارق الحمادي في فك رموز الإرشاد السياحي، واستكشاف دهاليزه التاريخية، غير أن عالماً آخر كان ينمو بهدوء في الداخل، بعيداً عن صخب القاعات الدراسية وإيقاع الحياة اليومية؛ عالم لا تحكمه قوانين المنطق الصارمة، ولا تستوعبه الخرائط التقليدية، بل تقوده ريشة متمردة تؤمن بأن الحقيقة قد تختبئ أحياناً في هيئة حلم، وأن الأشياء حين تُرى من زاوية أخرى تصبح أكثر عمقاً ودهشة.
لم تكن الفنون بالنسبة إلى الريم مجرد خطوط تتجاور فوق سطح لوحة، ولا ألوان تُوزَّع بعناية بصرية فحسب، بل كانت نافذتها السرية إلى ذاتها، ومساحتها الرحبة لدمج خيالاتها الجامحة بتفاصيل الحياة المألوفة.
ومن خلال هذا المزج سعت إلى صياغة لغة بصرية خاصة تمنح العادي وجهاً جديداً، وتعيد تقديم الأشياء، التي اعتدناها في صور لم نألفها من قبل.
في أعمالها لا تبدو العناصر كما هي، بل كما يمكن أن تكون، حيث يتجاور الممكن والمستحيل، ويتصافح الواقع مع الحلم في مشهد واحد.
وتحمل كل قطعة فنية تنجزها رسالة فلسفية عميقة، تهمس للمتلقي بأن ما يظهر على السطح ليس سوى طبقة أولى، وأن جوهر المعنى يقيم دائماً في المنطقة الأبعد من النظر السريع، فهي تؤمن بأن اللوحة ليست مشهداً يُرى فقط، بل سؤال يُطرح، وتأمل يُستدرج، ونافذة مفتوحة على احتمالات متعددة للفهم.
وعلى الرغم من أن مقاعد الدراسة أخذتها إلى تخصص يبدو بعيداً عن المرسم فإن الريم ظلت متمسكة بهويتها الفنية، تمارس شغفها كمن يحرس كنزاً سرياً يخشى عليه من الضياع، وتروي أن التحدي الأكبر لم يكن في إتقان الأدوات أو تعلم التقنيات، بل في امتلاك شجاعة البوح الفني، وفي الجرأة على إخراج تلك العوالم المختبئة إلى العلن.
وتقول: «كان الفن يسكنني كونه خيالاً جانبياً، وكنت أنتظر اللحظة التي أجرؤ فيها على مشاطرة هذا الخيال مع العالم».
وجاءت نقطة التحول الكبرى حين انضمت إلى معسكر فني متخصص، شكّل بالنسبة إليها القوة الدافعة، التي صقلت ثقتها بنفسها وحررتها من قيود التردد.
ومن هناك بدأت خطواتها تزداد رسوخاً ووضوحاً، لتنطلق نحو عرض نتاجها الإبداعي في محافل كبرى، كان أبرزها «آرت دبي» عام 2019، حيث لفتت الأنظار بأسلوبها، الذي يثري المشهد الثقافي المحلي، ويضيف إليه نبرة مختلفة.
وتدرك الريم أن السريالية قد تبدو، في أحيان كثيرة، لغزاً عصياً على التفسير السريع، وأن بعض المتلقين قد يقفون أمامها مترددين في فك شفراتها، لكنها تواجه ذلك بصدر رحب، مؤمنة بأن دور الفنان لا يقتصر على الإيضاح، بل يمتد إلى طرح أسئلة جديدة واستفزاز الفكر بصرياً، وهكذا تحوّل كل لوحة إلى دعوة مفتوحة للتأمل، وإلى احتفاء خالص بجماليات الغموض، حيث لا تكون الإجابة أهم من رحلة البحث عنها.

