الإقامة الذهبية.. جسر عبور الحالمين إلى آفاق التأثير

دبي.. قوانين وتشريعات داعمة للإبداع
دبي.. قوانين وتشريعات داعمة للإبداع

من قلب دبي، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الخيال، لم تعد الهوية الإبداعية سؤالاً عن الانتماء، بقدر ما أصبحت فعلاً مستمراً من العبور والتشكّل. هنا يطلّ مشروع الإقامة الذهبية لا بوصفه إطاراً قانونياً فحسب، بل منصة ثقافية تعيد صياغة علاقة المبدع بالمكان، وتحرّر الفكرة من حدودها الأولى لتمنحها أفقاً عالمياً.

الإقامة الذهبية شكّلت حجر زاوية للمشاريع
الإقامة الذهبية شكّلت حجر زاوية للمشاريع

ففي مدينة اعتادت أن تستضيف الحلم قبل أن يصبح مشروعاً، يتحوّل الإبداع من مسودة مؤجلة إلى أثر قابل للتداول، ومن رؤية فردية إلى خطاب إنساني عابر للثقافات، تشكّله دبي كجسرٍ حيّ يصل بين التخطيط والتأثير، وبين الموهبة المحلية والحضور العالمي.

وفي هذا السياق لا تبدو الإقامة الذهبية مجرد امتياز إداري، بل خياراً استراتيجياً يعيد ترتيب علاقة المبدع بزمنه ومساحته، فهي تمنح الاستقرار بوصفه شرطاً أولياً للإنتاج، وتحرّر الطاقات الخلّاقة من قلق المؤقت والعابر، لتفسح المجال أمام تراكم التجربة وتنامي المشروع الإبداعي، ضمن بيئة ترى في الثقافة استثماراً طويل الأمد، لا حدثاً عابراً أو موسماً احتفالياً.

وكان لـ«البيان» لقاءات مع نخبة من رموز الحراك الثقافي، عبر مهرجان طيران الإمارات للآداب في نسخته الثامنة عشرة، الحاصلين على الإقامة الذهبية التي شكَّلت حجر زاوية لمشاريعهم المحلّقة في الآفاق.

حيث سردوا تجاربهم الإبداعية، مؤكدين أن هذا المشروع الثقافي المميز أزال عوائق الاستمرارية في طريقهم، وحوَّل أحلامهم من مبادرات محلية إلى منصات تأثير عالمية تدار من قلب الإمارات بثقة واستدامة.

وأكد الكاتب الأردني محمد النابلسي أن الإقامة الذهبية في الإمارات تجاوزت كونها مجرد إطار قانوني للإقامة، لتصبح أداة استراتيجية فاعلة ضمن مشروع القوة الناعمة للدولة، موضحاً أن المشروع عكس رؤية الإمارات في استقطاب العقول لا للاستهلاك، ولكن للمشاركة الحقيقية في صناعة التأثير والريادة.

وأشار النابلسي، الذي يشغل منصب مسؤول التدريب والتطوير في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، إلى أن الإقامة الذهبية نجحت في إزالة أبرز العوائق التي كانت تحدّ من الإبداع سابقاً، وهي عقلية المؤقت، مؤكداً أن الإبداع لا يمكن أن يزدهر في بيئات انتقالية، وأن الاستقرار سمح للمبدعين بالعمل بعقلية الشريك لا الزائر، وأنهى القلق الدائم المتعلق بالبحث عن خطة بديلة.

ولفت إلى أن هذا النوع من الإقامة أزال حاجز الخوف من الاستثمار طويل الأمد داخل الدولة، قائلاً: «اليوم، يمكن للمبدع أن يغامر ويبني، وهو مطمئن أن الدولة تراهن عليه وعلى موهبته، ولا يضطر إلى الرهان على مسألة بقائه فقط».

وفي سياق تجربته الشخصية بصفته أديباً حائزاً جوائز مرموقة مثل جائزة عبدالحميد شومان لأدب الأطفال، أوضح النابلسي أن هذا التحول القانوني نقل مشاريعه من مجرد مبادرات محتملة إلى منصات تأثير حقيقية تنطلق من الإمارات لتُصدَّر إلى الخارج، مشدداً على أن الإمارات باتت تعمل كقاعدة انطلاق عالمية تدار منها المعرفة والثقافة بثقة واستدامة.

وحول الرؤية المستقبلية، ذكر النابلسي أن العالم بصدد رؤية جيل جديد من المبدعين المستقرين الذين يعيدون تعريف الهوية الإبداعية العابرة للحدود من قلب دبي، مؤكداً أن نجاح هذا الجيل يتطلب تكامُل الأدوار، وأن الخطوة التالية تقع على عاتق المؤسسات الثقافية الإماراتية.

ودعا النابلسي المؤسسات إلى منح الأولوية للمبدعين الحاصلين على الإقامة الذهبية في البرامج والمبادرات والشراكات، مختتماً حديثه بالإشارة إلى أن هذا التنوع الثقافي يثري الهوية الوطنية؛ إذ تُقدَّم الثقافة الإماراتية اليوم كنموذج واثق ومنفتح يستوعب الآخر دون أن يفقد ملامحه الأصيلة.

منعطف جوهري

وأكد الشاعر السوري مصعب بيروتية، المدير التنفيذي لمشروع «نحكي عربي»، وأحد نجوم برنامج «أمير الشعراء»، أن الإقامة الذهبية في دولة الإمارات ليست مجرد وثيقة قانونية تضمن استقراراً طويل الأمد، بل مثلت استقراراً حقيقياً ومنعطفاً جوهرياً في مسيرته المهنية والإبداعية.

وأوضح بيروتية، الحاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي وجائزة خليفة التربوية، أن الإقامة الذهبية منحته الثقة الكاملة لتحويل مشروعه التعليمي «نَحكي عربي» من مجرد فكرة إلى واقع ملموس على الأرض، مشيراً إلى أن المشروع، الذي يضم مركزاً تعليمياً للأطفال، يتوسع حالياً بخطوات ثابتة وطموحات تتجاوز الحدود المحلية لتترك أثراً عالمياً.

وفي سياق حديثه عن التحديات، كشف بيروتية أن الإقامة الذهبية أزالت العائق الأكبر الذي كان يقيّد طاقة الإبداع، وهو القلق على الاستمرارية، مبيناً أنه بمجرد الشعور بالاستقرار، تحول تركيزه بالكامل نحو تطوير البرامج التعليمية المبتكرة، وبناء وتعزيز فرق العمل المتخصصة، وصناعة تجربة لغوية عربية محببة للطفل بعيداً عن مشاعر الخوف أو التردد.

الحراك الثقافي في دبي يشكّل بيئة خصبة للإبداع بلا حدود
الحراك الثقافي في دبي يشكّل بيئة خصبة للإبداع بلا حدود

وشدد بيروتية، الذي شارك في العديد من الأمسيات الشعرية في الوطن العربي، على أن الإقامة الذهبية تمثل استثماراً حقيقياً في العقول، لافتاً إلى أنها تخلق بيئة خصبة تتيح للمبدعين البناء بثقة والعمل بحرية كاملة.

واختتم بيروتية تصريحاته بتأكيد تفاؤله بمستقبل الحراك الثقافي في دبي، متوقعاً ظهور جيل جديد من المبدعين المستقرين الذين سيثبتون أن الهوية الإبداعية ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي رسالة إنسانية وأثر مستدام ينطلق من قلب الإمارات إلى العالم.

وأكدت الكاتبة اللبنانية سحر نجا محفوظ، المؤسس والمدير التنفيذي لدار «قصص كيوي» للنشر والتوزيع، أن الإقامة الذهبية في دولة الإمارات لم تكن مجرد وثيقة قانونية، بل شكلت جسر عبور استراتيجياً مكّن المبدعين من نقل مشاريعهم إلى آفاق عالمية، موضحةً أن هذا النوع من الاستقرار يمثل «الخليط الذهبي» للإبداع الذي يجمع بين الشعور بالأمان والتقدير.

وأشارت محفوظ، وهي كاتبة متخصصة في أدب الأطفال والناشئة ولها أكثر من 60 قصة منشورة، إلى أنها كانت من أوائل المبدعين الذين حصلوا على الإقامة الذهبية، ما منحها حافزاً إضافياً لرد الجميل من خلال مضاعفة الجهد والعمل.

منوهةً بأن هذا التقدير من الجهات المسؤولة جعلها تشعر بمسؤولية أكبر تجاه دبي، ودفعها إلى تأسيس دار «قصص كيوي» عام 2021 كواجهة للعمل المثمر، التي وصلت لاحقاً إلى العالمية عبر ترجمة إصداراتها.

وشددت سحر على الدور المحوري للإقامة الذهبية في إزالة العوائق التي كانت تحد من الإبداع سابقاً، لاسيما ما يتعلق باستقرار العائلة، مبينةً أن ضمان وجود أبنائها حولها بفضل الإقامة الذهبية أزال فكرة السفر أو الابتعاد عن هذه الأرض، ما وفر بيئة أسرية آمنة تفرغ فيها الجميع للإبداع والتميز.

وفيما يخص الرؤية المستقبلية، لفتت محفوظ إلى أن الاستثمار في العقول يمثل الأولوية القصوى؛ لكونه يتجاوز في أهميته الاستثمار في البناء المادي، موضحةً أن دبي باتت تحتضن بيئة متجانسة تضم مختلف أطياف المبدعين من موسيقيين وفنانين وكتَّاب، يعملون معاً على إعادة تعريف مفهوم الهوية الإبداعية العابرة للحدود.

واختتمت محفوظ حديثها بالتأكيد أن السنوات المقبلة ستشهد نتاج هذا التجانس والتناغم الذي وضعته دبي كحجر أساس لأعمال إبداعية مميزة تنافس عالمياً، معربةً عن فخرها بكونها جزءاً من هذه الثورة الإبداعية الجديدة المميزة التي تنطلق بكل ثقة وقوة من قلب الإمارة.

نقلة نوعية

وأكدت الوكيلة الأدبية ومستشارة النشر، الفلسطينية رولا البنا، أن مشروع الإقامة الذهبية في الإمارات العربية شكّل نقلة نوعية تجاوزت الأطر القانونية لتصبح جسراً استراتيجياً مكّن المبدعين من نقل مشاريعهم من حيز التخطيط المحلي إلى آفاق التأثير العالمي.

وأوضحت البنا، المؤسسة والمديرة التنفيذية لوكالة «رولا» الأدبية، أن الاستقرار القانوني الذي وفرته هذه الإقامة يعد عنصراً أساسياً لأي استثمار طويل الأمد في قطاع النشر والعمل الثقافي.

مشيرةً إلى أن هذا الإطار سمح لها شخصياً بالانتقال من إدارة مبادرات محدودة زمنياً إلى بناء مشاريع ثقافية مستدامة ذات امتداد دولي، ما عزز مستويات الثقة مع الشركاء العالميين في مجالات تمثيل الكتَّاب وإدارة حقوق الترجمة.

وفي سياق حديثها عن التحديات، ذكرت البنا أن الإقامة الذهبية أزالت أبرز العوائق التي كانت تحدّ من الإبداع سابقاً، المتمثلة في غياب الأفق الزمني الواضح، مشددةً على أن الصناعات الإبداعية لا يمكن أن تزدهر في بيئات مؤقتة، بل تتطلب استقراراً يتيح التخطيط الاستراتيجي وبناء فرق العمل والاستثمار في المعرفة بوصفها قيمة اقتصادية وثقافية.

كما لفتت البنا إلى أن دبي تحولت اليوم إلى بيئة إنتاج معرفي متكاملة قادرة على استقطاب الكفاءات ومنحها الاستقرار اللازم لتحويل الخبرات الفردية إلى أثر مؤسسي ملموس، مبينةً أننا بصدد رؤية جيل جديد من المبدعين يعيد تعريف الهوية الإبداعية بوصفها هوية عابرة للحدود ومنفتحة على العالم مع الحفاظ على جذورها المحلية.

واختتمت الوكيلة الأدبية حديثها بالتأكيد أن الإقامة الذهبية تمثل استثماراً فعلياً في رأس المال المعرفي، ودعامة أساسية لنمو الاقتصاد الإبداعي، ما يجعل من دبي منصة انطلاق حقيقية لصناعة المحتوى الثقافي وتداوله على مستوى العالم.