الرباعيات الإماراتية.. ومضات شعرية تواكب إيقاع العصر

أربعة أبيات فقط، لكنها قادرة على احتواء حكمة عمر، أو ومضة تأمل، أو نبضة وجْد لا تتسع لها صفحات طويلة. ففي زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتقلص مساحات التلقي، تمنح الرباعية الشعرية قارئها تجربة جمالية مكثفة تختزل الفكرة والصورة والإحساس في أبهى صورها.

هكذا تواصل الرباعية حضورها بوصفها فناً يجمع بين الإيجاز والعمق، فيما يواصل شعراء إماراتيون إحياء هذا الشكل الشعري العريق برؤى معاصرة تستجيب لذائقة القارئ الحديث من دون أن تتخلى عن أصالتها، مقدّمين تجارب تؤكد أن قيمة الشعر لا تُقاس بعدد أبياته، بل بقدرته على ترك أثر باقٍ في النفس والوجدان.

وفي تجربة شعرية يغلب عليها البعد الروحاني، كشف الشاعر والمترجم الإماراتي الدكتور شهاب غانم، لـ«البيان»، أن رصيده من الرباعيات العربية الفصحى بلغ نحو 365 رباعية، بما يعادل عدد أيام السنة، إضافة إلى عدد آخر من الرباعيات باللغة الإنجليزية.

موضحاً أن جميع أعماله تأتي في قالب الرباعية المؤلفة من أربعة أبيات، لا بنظام «الدوبيت»، مشيراً إلى أنه يواصل كتابتها بانتظام بمعدل رباعية أو رباعيتين أسبوعياً.

وبيّن أن معظم هذه الرباعيات تتناول موضوعات روحانية تتمحور حول حب الله تعالى وحمده وتمجيده وأسمائه الحسنى، فيما يختص بعضها بمدح الرسول الكريم ــ صلى الله عليه وسلم ــ والحديث عن عظمة الدين الإسلامي. ومن الناحية الفنية، أشار إلى أنه يكتبها على مختلف البحور الخليلية، مع حضور أكبر لبحور «الطويل» و«البسيط» و«الخفيف».

وأوضح الدكتور غانم أنه بدأ كتابة الرباعيات بصورة منتظمة منذ عام 2019، ونشرها في صحف ومجلات عربية ودولية، لافتاً إلى أن بعضها كان يُنشر يومياً خلال شهر رمضان المبارك. كما حظيت أعماله بترجمات إلى لغات عدة، منها: الماليالم والإسبانية، انطلاقاً من النصوص التي نشرها بالإنجليزية.

وأشار إلى صدور مجموعتين شعريتين بالعربية مرفقتين بترجمتين إنجليزية وإيطالية، ونُشرتا في روما، إلى جانب مجموعة باللغة الإنجليزية مع ترجمة بالماليالم صدرت في ولاية كيرالا الهندية، معتبراً أبرز أعماله في هذا المجال كتاب «رباعيات في ذكر الله».

وأكد الشاعر الإماراتي محمد بن مسعود أن الرباعية تُعد من أعرق القوالب الشعرية وأكثرها قدرة على التجدد، مستعرضاً جذورها التاريخية التي تعود إلى اليونان وروما القديمتين، قبل أن يزداد حضورها مع الشعراء الموسوعيين في القرن الحادي عشر.

وأشار إلى الدور المحوري الذي أداه عمر الخيام في ترسيخ هذا الفن عبر ديوانه «الرباعيات»، ثم إسهام ترجمة إدوارد فيتزجيرالد في القرن التاسع عشر في إعادة إحيائه وانتشاره عالمياً.

وأوضح أن سر جاذبية الرباعية يكمن في قدرتها على الجمع بين التكثيف والحرية التعبيرية، ما جعلها فضاءً ملائماً للتأملات الفلسفية والتساؤلات الوجودية والحكمة الإنسانية، كما أنها تمنح الشعر موسيقاه المنضبطة من خلال الوزن والقافية دون الحاجة إلى القصائد الطويلة. وبيّن أن أبرز تحديات هذا الفن تتمثل في احتواء تجربة إنسانية كاملة ضمن أربعة أشطر فقط.

بصمات مكثفة

من جانبه، أكد الشاعر الدكتور طلال الجنيبي أن فن الرباعيات يمثل صيغة شعرية مكثفة تتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، واصفاً إياها بأنها «وجبة ثقافية سريعة» تتيح للقارئ إنجاز قراءتها خلال دقيقة أو دقيقتين، ما يجعلها من الحلول الناجحة لمواجهة عزوف بعض القراء عن القصائد الطويلة.

وأشار إلى أن مشروعه الشعري في هذا المجال يتواصل عبر سلسلة «رباعيات الجنيبي»، التي صدر منها «البصمة الأولى» و«البصمة الثانية» و«البصمة الثالثة» التي وُقّعت أخيراً في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، فيما يقترب من إنجاز «البصمة الرابعة»، معتبراً أن استمرار هذا المشروع يعكس حاجة المتلقي المعاصر إلى هذا الشكل الشعري المكثف.

وأوضح أن أبرز التحديات التي تواجه شاعر الرباعيات تتمثل في القدرة على اختزال المبنى والمعنى في أربعة أبيات فقط، مع الحفاظ على اكتمال الحبكة والصورة الشعرية والبناء الفني والفكري.

مضيفاً أن إيصال فكرة عميقة ضمن مساحة محدودة يتطلب مهارة لغوية وأدوات شعرية خاصة، ولا سيما لمن يسعى إلى إنتاج نصوص قادرة على البقاء والتقدير. وأكد الجنيبي أن الرباعيات قادرة على تناول مختلف الموضوعات الإنسانية، لكنها تبدو أكثر ملاءمة للحكمة والوجدانيات والومضات الفكرية .

وعن خصوصية الرباعية الإماراتية، أوضح أن تميزها يعود إلى لغتها الأصيلة والواضحة وابتعادها عن الغموض والتعقيد، ما يجعلها أقرب إلى المتلقي عبر أسلوب «السهل الممتنع».

ووصف الرباعيات بأنها تجربة شعرية عميقة تستقطب جمهوراً واسعاً وتتيح لفئات جديدة تذوق الشع. كما أشار إلى أن مجموعاته الثلاث المتخصصة في الرباعيات حظيت بتقدير واسع وتُرجمت إلى عدد من اللغات العالمية.

يقول الشاعر طلال الجنيبي في قصيدة «نبرة الألم»، وهي من الرباعيات:

تدلت نبرة الألم المباحِ

على وجع تناغم في جراحي

ونامت كل أطرافي فلما

أفاق الحلم أفسده صبـاحـي

تمادت رغبتي وتعاهدتها

أهازيـج على أمـل ارتيـاحِ

فألقتــني ممددة عليها

بلا حـول لتعصف بي رياحي