عبدالعزيز خوجة.. شعرية العروج في سماء التضرع

عبدالعزيز خوجة صوّر شعرياً حالة المناجاة المستمرة
عبدالعزيز خوجة صوّر شعرياً حالة المناجاة المستمرة

في قصيدته النورانية «سبحان من خلق»، يشرع الشاعر السعودي عبدالعزيز خوجة نوافذ الروح على فضاءات من التبتّل والانغماس في فيوض المحبة الإلهية.

النص ليس كلمات منظومة، بل معراج شعري تدفعه رغبة عارمة في مواصلة السفر في ملكوت المناجاة؛ سفر يبدو ممتداً بلا نهاية، حتى إن صدى الإنشاد يظل يتردد في أذن المتلقي متهادياً، حتى بعد أن يتوقف النَّفَس الشعري في السطر الأخير، معلناً عن نهاية رحلة يخيّل إلينا أنها لم تبتدئ بعد.

ويفلح خوجة في توطين المناخ الروحي عبر اتكائه على هندسة صوتية واعية؛ إذ يختار لها ركيزة الهاء الساكنة الموصولة بالألف. هذه القافية الممتدة ليست خياراً شكلياً عابراً، إنها الصوت الحي لآهات التضرع:

سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْقُلُوبَ لِكَيْ تُؤَانِسَنَا بِـ«آهْ»

وَتَذُوبَ مِنْ وَجْدٍ عَلَى أَلِفٍ وَلَامٍ، ثُمَّ لَامٍ، ثُمَّ آهْ

سُبْحَانَ رَبِّي فِي عُلَاهُ وَفِي سَنَاهْ

أَسْرَى بِقَلْبِي مِنْ ثَرَاهُ إِلَى مَدَاهُ إِلَى رُؤَاهْ

وَأَذَابَهُ وَجْدًا فَهَذَا مُنْتَهَاهُ لِمُنْتَهَاهْ

سُبْحَانَهُ نُوراً تَسَرْبَلَ بِالْحِجَابِ فَلَا تَرَاهْ

وَهُدًى تُرَجِّعُ وَحْيَهُ كُلُّ الشِّفَاهْ

لَكِنَّنِي شَوْقٌ يَظَلُّ مُسَافِراً

لَا يَنْتَهِي أَبَداً سُرَاهْ

يتجلى الذكاء الإيقاعي منذ عتبة النص الأولى، وتطل كلمة «آه» في السطر الأول كصوت قافوي نابع من الألم الإنساني والاشتياق، قبل أن يعاد صهرها في السطر الثاني لتتحول من آهة بشرية إلى جزء أصيل من بنية لفظ الجلالة «الله»؛ هذا التجاوب الصوتي بين الآه الإنسانية والاسم الإلهي يثبّت دعائم الإيقاع، ويمنح القارئ مفتاح البناء المعماري الذي أبدعه الشاعر.

وبينما نساير الشاعر في عروجه اللغوي، تستوقفنا في السطر الثالث كلمة «عُلَاهُ». وهنا تبدو اللوحة مكتملة للوهلة الأولى: المعنى تام ينزه رب العالمين في علوه، والوزن مستوفٍ شروطه على بحر «الكامل» (مُتْفَاعِلُنْ مُتْفَاعِلَانْ).

تهمس ألف الوصل في أنفسنا بأن سكوناً قادماً سيلتبس بهاء الرويّ لتكون الوقفة التامة، غير أن الشاعر يباغتنا بحركة الضم على الهاء، ليبعثر طمأنينة السكون، ويحث السير من جديد، وكأنه يعلن أن الثناء على الله لا ينتهي، بل يمتد ليتشابك مع النور والضياء.

تتحول هذه التقنية عند خوجة إلى ما يمكن تسميته «الوقفات الموهمة»، وهي لعبة أسلوبية بارعة تتكرر لتجعل القارئ في حالة تيقظ مستمر، ففي السطر الرابع نحترز كقراء من الوقوف عند كلمة «ثَرَاهُ»؛ لأن وعينا بالسياق يدرك أن الإسراء الذي بدأ من الثرى لا بد له من مستقر

لكن الشاعر ينصب لنا شَرَكاً آخر عند قوله «إلى مَدَاهُ»، فنستسلم لوهم الوصول، ليعود ويجذبنا نحو أفق أبعد وسماء أخرى تلتمس «رُؤَاهْ»؛ حيث تسبح بصائر العارفين.

وتبلغ المناورة الفنية ذروتها في السطر الخامس، حيث يستجمع الشاعر كل عناصر الوقفة التامة ليقنعنا بنهاية الرحلة: المعنى يكتمل، والوزن يستقر، والقافية تتردد، ويستدعي لفظاً قاطعاً يدل على الختام «مُنْتَهَاهُ»، ويؤكده بإشارة حسية «فَهَذَا مُنْتَهَاهُ»، كأنه يطلب من المتلقي أن يترجل هنا ويستريح.. وفجأة، يبغته بالاندفاع نحو مدى جديد.

إنها رغبة في استمرار المناجاة ورفض تأطيرها بحدود، فعبر هذه الوقفات المخاتلة ينجح الشاعر في تجسيد حالة التأرجح الوجداني والعروج الدائم في سماء التضرع، مؤكداً أنه إبحار سرمدي لا ينتهي.