صناعة المحتوى الثقافي.. حصن الهوية ورافعة المشهد الإبداعي

 الحراك الإبداعي في دبي غني بملامح التنوع والأصالة التي تعزز صناعة المحتوى المتميز
الحراك الإبداعي في دبي غني بملامح التنوع والأصالة التي تعزز صناعة المحتوى المتميز

في زمن تتسارع فيه المنصات الرقمية وتتدفق عبره الروايات والرسائل العابرة للحدود، تبرز صناعة المحتوى الثقافي بوصفها إحدى الأدوات الأكثر تأثيراً في تشكيل الصورة الذهنية للشعوب وتعزيز حضورها الحضاري. ومع التحولات المتلاحقة التي يشهدها المشهد الإعلامي العالمي، باتت القدرة على صياغة سردية ثقافية تعبّر عن خصوصية المجتمعات وتنقل قيمها إلى العالم تحدياً رئيساً أمام المؤسسات الثقافية وصناع المحتوى، في ظل بيئة رقمية فرضت أنماطاً جديدة من التلقي والتفاعل، وجعلت من القصص الإنسانية والسرد الإبداعي وسيلتين أساسيتين لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الحضور الثقافي في فضاء عالمي شديد التنافس.

وخلال لقاء مع «البيان»، على هامش الجلسة الحوارية «كيف نروي قصة دبي للعالم؟» التي احتضنها، متحف الاتحاد في دبي، مؤخراً، ضمن برنامج «صُنّاع المحتوى الثقافي»، الذي أقيم بالتعاون بين نادي دبي للصحافة و«دبي للثقافة»، أكدت هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، أن نجاح المحتوى الثقافي في العصر الرقمي لا يرتبط بحجم انتشاره فحسب، بل بقدرته على تقديم روايات صادقة وملهمة تنطلق من الواقع المحلي وتلامس القيم الإنسانية المشتركة، مشيرة إلى أن إبراز الهوية الإماراتية في الفضاء الرقمي يتطلب توظيفاً واعياً للتكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي بما يعزز حضور دبي الثقافي عالمياً، ويحافظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني في السرد.

هالة بدري
هالة بدري

أمانة ومصداقية

وشددت هالة بدري على المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق صانع المحتوى الثقافي، مؤكدة ضرورة الالتزام بالأمانة والمصداقية عند تقديم المواد المعرفية والإبداعية، إلى جانب البقاء قريباً من الناس وقضاياهم وتطلعاتهم.

وأوضحت أن الاكتفاء بعرض المعلومات الثقافية أو التاريخية بصيغ تقليدية لم يعد كافياً لاستقطاب الجمهور، لافتة إلى أن المتلقي بات يبحث عن محتوى يلامس مشاعره ويتصل بتجاربه اليومية، ويتفاعل مع القصص الواقعية وما تحمله من أبعاد إنسانية تعكس روح المكان وثقافته.

وأكدت أهمية الاستفادة من المنصات الرقمية الحديثة للوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، لا سيما الشباب، الذين يتفاعلون مع المحتوى الثقافي عبر قوالب وأساليب متنوعة تفرضها طبيعة كل منصة، سواء كانت «إنستغرام» أو «يوتيوب» أو «تيك توك»، داعية إلى إنتاج محتوى هادف وواقعي قادر على تحويل التفاصيل اليومية إلى قصص ملهمة تتجاوز حدود المكان وتصل إلى جمهور عالمي.

قيم إنسانية

وأكدت مدير عام «دبي للثقافة» أن ما تتميز به دبي من تنوع ثقافي وتعايش بين مختلف الجنسيات يوفر مساحة واسعة أمام صناع المحتوى لاستلهام قصص وتجارب قادرة على مخاطبة جمهور عالمي.

وأشارت إلى أن قيماً إنسانية مشتركة، مثل الاحترام المتبادل للثقافات، إلى جانب الكرم وحسن الضيافة اللذين تمثلهما التجربة الإماراتية، تشكل لغة عالمية تتجاوز الحواجز الثقافية، مشددة على أهمية إشراك المقيمين من مختلف الخلفيات في صناعة المحتوى والمشاركة في الفعاليات والمواسم المحلية، بما يسهم في توسيع دائرة التأثير وتعزيز فرص وصول الرسائل الثقافية إلى العالم.

إطار واقعي

وأكدت هالة بدري أهمية توظيف الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في سرد قصة نجاح دبي والإمارات، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة أن يتم ذلك ضمن إطار من المسؤولية والأمانة.

ودعت صناع المحتوى إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة للعمل الإبداعي، لا بديلاً عنه، محذرة من ترك هذه التقنيات توجه مسار السرد أو تدفع نحو المبالغة الدرامية التي قد تُفقد القصة واقعيتها، مؤكدة أن الحفاظ على المصداقية والبعد الإنساني يظل الركيزة الأساسية لأي محتوى قادر على التأثير والاستمرار.