دبي في صور روبرت بورز.. قصائد ضوئية مسكونة بالجمال

 روبرت بورز أمام أحد أعماله
روبرت بورز أمام أحد أعماله
 أعمال فوتوغرافية بانورامية تروي فرادة دبي
أعمال فوتوغرافية بانورامية تروي فرادة دبي

رحلة بصرية استثنائية تأخذنا إليها عدسة الفنان الفوتوغرافي روبرت بورز، وتتجاوز حدود التوثيق المكاني لتغدو قصيدة ضوئية تروي تفاصيل دبي، المدينة التي لا تكف عن إعادة اكتشاف نفسها.

وفي معرضه «المدينة في تفاصيلها.. الماضي والمستقبل في عمران دبي»، الذي كان قد احتضنه مركز «كتبنا» الثقافي بمدينة أفينيوز 17 بمنطقة ند الحمر في دبي، مؤخراً، لم يقدم بورز صوراً فوتوغرافية فحسب، بل منحنا مفاتيح بصرية لفك شفرات الهوية العمرانية التي تمزج بين عراقة الطين وحداثة الفولاذ.

وتتجلى عبقرية بورز في قدرته على التقاط اللحظة الساكنة وسط صخب التحول.

ففي صوره التي تتناول دبي القديمة، نلمس حنيناً دافئاً ينساب من زوايا السكيك الضيقة وظلال المشربيات الخشبية، كما يركز الفنان على نسيج الجدران، وتداخل الزخارف التقليدية التي تعكس شمس الصحراء بوقار، وكأنه يحاول استنطاق الحجر ليحكي قصص الأجداد.

كيانات حية

وفي الجانب الآخر من المعرض، تبرز دبي المستقبل، حيث لا يصور بورز المباني ككتل صماء، بل ككيانات حية تتفاعل مع الضوء، ويختزل الأبراج في خطوط منحنية، ومساحات هندسية تتداخل مع زرقة السماء الصافية، ما يمنح المتلقي شعوراً باللانهاية والطموح الذي لا سقف له، ويبرز اللون الأزرق للسماء كخلفية مشتركة تربط بين المآذن التقليدية الشاهقة وبين قمم الأبراج المعاصرة، في إشارة ذكية إلى أن السماء التي غطت رحلات الغوص على اللؤلؤ هي ذاتها التي تشهد اليوم معجزات العمران.

ويمكن النظر إلى أعمال روبرت بورز الإبداعية باعتبارها دعوة للتأمل فيما أنجزته دبي وفي الكيفية التي استطاعت بها المدينة أن تحافظ على روح المكان وهي تنطلق بسرعة الضوء نحو الغد.

وفي حديث يعكس عمق الرؤية الفنية والارتباط الوجداني بعمارة المدن، يؤكد الفنان الفوتوغرافي روبرت بورز، لـ«البيان»، أن جوهر التصوير المعماري يتجاوز مجرد رصد المواقع، ليصبح لغة بصرية قوامها الأنماط الهندسية وتفاعل الضوء والظل، موضحاً أن ما يجمعه بالمباني، سواء كانت تاريخية أو حديثة، هو ذلك التناغم بين الفراغ والشكل، مشيراً إلى أن القيمة الجمالية للمبنى تكمن في تفاصيله الهندسية وليس في عمره أو طرازه المعماري فحسب.

وفي سياق حديثه عن منهجيته في العمل، يشير بورز إلى التحديات التي تواجهه، ما يجعله يدقق في اختيار أعماله بناءً على معايير تقنية صارمة تشمل التكوين، والوضوح، وجودة الإضاءة، كاشفاً عن شغفه بتسليط الضوء على الزوايا المنسية التي لا تقع عليها عين المشاهد العادي، خاصة تلك المباني التي قد تبدو متعبة أو متهالكة في نظر البعض، مؤكداً أن مهمة الفنان هي إعادة اكتشاف الجمال في المألوف.

توثيق التغيير

وحول رؤيته لمدينة دبي، يوضح المصور أن التطور العمراني المتسارع قد يجعل المباني الحديثة تندمج في عين الناظر لتصبح كتلة واحدة إذا لم يتوقف لتأملها، معبراً عن سعادته الشخصية في استكشاف هذه الأشكال المعمارية الجديدة وفهم كينونتها.

وعلى صعيد التوثيق الفني، يؤكد بورز أن دافعه الأساسي طول سنوات عمله كان توثيق التغيير؛ إذ ركز بشكل مكثف على المباني تلك التي تعود لحقبة الستينيات والثمانينيات، موضحاً فلسفته الفنية التي استقاها من أحد معلميه، وتدمج بين القيمة التوثيقية للصورة والقيمة الجمالية، قائلاً: «التوثيق وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون العمل فنياً وجذاباً في آن واحد»، مشيراً إلى أن قمة سعادته تكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين الأرشفة التاريخية والجمال الإبداعي.