لطالما انصرف كثير من الدارسين إلى النظر لفنون البديع في الشعر العربي بوصفها مجرد زخارف تضفي على النص جمالاً موسيقياً وبهاءً لفظياً، وهو الأمر الذي يختزل وظيفتها ويغفل أبعادها الدلالية، فالبديع في النماذج الشعرية الكبرى لا يؤدي دوراً تجميلياً فحسب، بل يتحول إلى أداة فاعلة في إنتاج المعنى وتكثيف الرؤية وبناء التجربة الشعرية. ومن أبرز هذه الفنون «التضاد» الذي يتجاوز حدود المقابلة الشكلية بين الألفاظ إلى تشكيل علاقات فكرية تكشف عن جوهر التجربة الإنسانية.
ويتجلى هذا البعد بوضوح في قصيدة الشاعر الإماراتي الراحل حبيب الصايغ في رثاء القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي مطلعها:
أَطَلَّتْ على الأحلامِ منكَ المواهبُ
وفاضَ على الأيامِ ما أنتَ واهبُ
حيث لم يلجأ الشاعر إلى التضاد بوصفه حيلة عابرة، لكنه جعله محوراً بنائياً تدور حوله الرؤية الشعرية، ويبرز ذلك في ثنائية الموت والحياة حين يقول:
حياتُكَ بعد الموتِ أحيا من الحيا
وغيثُكَ مسكوبٌ ونهرُكَ ساكبُ
فالشاعر يعيد تعريف الموت من خلال أثر القائد الذي يستمر ويتجدد بعد الرحيل؛ ليتحول الموت إلى مدخل للحياة، ويغدو الغياب الجسدي شكلاً للحضور المعنوي، ويعزز المعنى عبر الجناس بين «أحيا» و«الحيا»، بما يضفي على الصورة طاقة إيحائية تربط الخلود بالعطاء المتدفق، ثم ينتقل إلى مستوى أكثر عمقاً من التأمل عبر ثنائية الغياب والحضور، فيقول:
رأتْه غياباً وهْو كالعلْمِ حاضرٌ
رأتْه حضوراً وهْو كالحُلْمِ غائبُ
هنا لا يعود الحضور والغياب مفهومين مرتبطين بالمكان والزمان، بل يتحولان إلى حالتين شعوريتين متداخلتين؛ فالشخصية العظيمة تبقى حاضرة في الوجدان حتى بعد رحيلها، بينما يبدو حضورها الطاغي أقرب إلى الحلم في فرادته. ويمنح الجناس بين «العلم» و«الحلم» الصورة توازناً موسيقياً يوازي توازنها الدلالي.
وفي ثنائية السلم والحرب، يرسم الصايغ ملامح القائد الذي جمع بين الحكمة والحزم، فيقول:
فللسِّلمِ حتى الآن منك مكاتبُ
وللحربِ حتى الآن منك كتائبُ
فالمقابلة هنا لا تقدم صورتين متعارضتين، بل تكشف عن شخصية قادرة على إدارة التوازن بين الحوار والقوة، وبين الدبلوماسية والقدرة على الحسم. ويأتي التقارب الصوتي بين «مكاتب» و«كتائب» ليؤكد هذا الانسجام بين القيمتين.
أما في البيت التالي، فيوظف الشاعر ثنائية القلب والعين ليجسد العلاقة بين البصيرة والرؤية:
فللقلبِ من نورِ العيونِ أظافرٌ
وللعينِ من نورِ القلوبِ مخالبُ
فتتداخل الحواس والمعاني في صورة مركّبة تكشف أن الرؤية الحقيقية لا تكتمل إلا باتحاد البصر والبصيرة، كما يسهم توظيف الألفاظ المترادفة والمتقابلة في تعميق الدلالة وإثراء البنية الرمزية للنص.
إن فرادة حبيب الصايغ في هذه القصيدة لا تكمن في استحضار الأضداد فحسب، بل في قدرته على تحويلها إلى منظومة فكرية وجمالية متماسكة، فالتضاد عنده ليس صراعاً بين قيم متنافرة، إنه حوار خلّاق يكشف عن شخصية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بوصفها نموذجاً إنسانياً جامعاً للخصال المتكاملة؛ ومن ثم تتحول القصيدة إلى لوحة شعرية نابضة بالحياة، وشهادة فنية تؤكد أن البلاغة الحقيقية تكمن في القدرة على تعميق المعنى وتجسيد الرؤية وإبقاء الأثر حياً في الذاكرة.

