الطفولة لغة والبساطة اختزال لدى بول كلي

تبدو لوحات الرسام الألماني بول كلي، أقرب إلى رسم طفل: خطوط خفيفة، أشكال غير مكتملة، رموز بدائية، وألوان موزعة بحرية.. هذا الانطباع الأولي يقود إلى سوء فهم شائع، إذ تُقرأ هذه الأعمال بوصفها عفوية أو غير مكتملة.. غير أن التوقف أمامها يكشف نظاماً دقيقاً يعمل خلف هذه البساطة، حيث تُختزل التفاصيل من أجل التقاط الجوهر..

لوحاته أو رسوماته كما نرى عبارة عن مربع وسقف ومثلث، وجه بنقطتين وخط، وشجرة بإشارة سريعة.. هذا الاقتصاد في الرسم يعتقد البعض أنه عشوائي، لكنه رَسْم حُر يتحرك بخفة، وكأنه يتردد بين اللعب والتأمل، بل كل انحراف بسيط يحمل قراراً، وكل توقف خلق إيقاعاً داخلياً. وُصف بول كلي (1879 - 1940) بأوصاف عديدة: فهو أبو الفن التجريدي.

وأستاذ في مدرسة فنية معروفة في ألمانيا، مدرسىة «باو هاوس»، ورائد السريالية، وشخصية يصعب تصنيفها، بحسب العديد من مؤرخي الفن ومحبيه (الذين يُطلق عليهم مُحبّوه لقب «رفاق كلي»).

ترتبط لوحاته بالحركات الفنية الرائدة في القرن العشرين كما وصفته الصحف الأوروبية، من التعبيرية الألمانية إلى الدادائية..

فمن الصعب تصنيف أعمال كلي ضمن فئة واحدة، ويعود الفضل في ذلك إلى نظام الأشكال النابضة، والرموز الهيروغليفية الغامضة، والكائنات الغريبة التي ابتكرها لإثراء أعماله.. هذه الرموز تُعد من أوائل المحاولات في القرن العشرين لدمج المحتوى الروحي واللاوعي في الفن التجريدي.

بدورها، ألهمت أعماله كلاً من السريالية والتعبيرية التجريدية، ليتخذها روادها المؤثرون وخلال مراجعة أعمال أمثال خوان ميرو وسلفادور دالي إلى مارك روثكو وروبرت ماذرويل، نجد بول كلي نبراساً لهم. يُحتفى كل عام بأعمال كلي الغامضة والمؤثرة، خاصة في مركز بومبيدو بباريس، ومعارضه المستمرة..

لكن لماذا تُعد أعماله مهمة؟ خاصة في أوائل القرن العشرين، والبحث في هذا السؤال نجد كلي قطع علاقته جذرياً بتقاليد فنية عريقة، والكلاسيكيات المعروفة، فعل ذلك إلى جانب بيكاسو وغيره من فناني الطليعة في مطلع القرن، ليتخلى بول كلي عن المحتوى المألوف، مساهماً في ظهور شكل فني عُرف لاحقاً باسم «التجريد».

كان كلي من أوائل المتبنين لهذه الحركة وعضواً في أحد الفصائل الإقليمية للتعبيرية الألمانية، مع مجموعة من الفنانين يربطهم الاعتقاد بأن الفن يجب أن يعبر عن العالم الميتافيزيقي، أي ما وراء الطبيعة.