تتسارع إيقاعات التقنية الحديثة وتتشكل ملامح الوعي الجديد لدى الأجيال، ليبرز التراث الإماراتي بوصفه ركيزة أصيلة لا تقبل العزلة، بل تستدعي إعادة تقديمها بروح معاصرة تواكب شغف الطفل وتخاطب خياله.
ومن هنا، تتجه أقلام كتّاب أدب الطفل إلى استلهام الموروث الشعبي، لا بوصفه مادة جامدة، بل كعالم حي قابل لإعادة التشكيل، يمزج بين الأصالة والابتكار، ويعيد صياغة الحكاية القديمة بلغة العصر وأدواته الرقمية، ليغدو التراث تجربة تفاعلية نابضة تثري المعرفة وتغرس الانتماء.
وفي هذا السياق، استطلعت «البيان» آراء كاتبات إماراتيات لهن باع في أدب الطفل، أكدن أن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة ابتكار التراث بما ينسجم مع تحولات العصر، عبر توظيف الخيال والتقنيات الحديثة، وتنقية المرويات من شوائبها، لتقديم محتوى ثري يجمع بين المتعة والمعرفة، ويسهم في بناء وعي الطفل وتعزيز ارتباطه بهويته الثقافية.
وأكدت الكاتبة الدكتورة عائشة الغيص، ضرورة مواكبة الموروث الشعبي الإماراتي للتحولات الرقمية المتسارعة، مشددة على أن الانفتاح المعرفي والعصر الرقمي يفرضان ضرورة تقديم التراث للطفل بأساليب مبتكرة تبتعد عن الجمود والتقليدية، وتوظف تكنولوجيا التعليم لإثارة شغف الأجيال الجديدة بالبحث والاكتشاف.
وأوضحت الغيص أن تقديم التراث لا ينبغي أن يقتصر على الكتاب الجامد، بل يجب أن يستعين بالكتاب التفاعلي، والصوتي، والرسوم الجذابة، مشيرة إلى أهمية دمج تقنيات الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتكون داعماً أساسياً للمحتوى الورقي.
ولفتت إلى أن هذه العناصر تحول المادة التراثية من مجرد سرد قصصي إلى مغامرة حية تشبه الأفلام والفيديوهات، ما يعزز قدرة الطفل على التخيل والمثابرة في التعلم.
مشيرة إلى أن اختيار المحتوى التراثي يجب ألا يكون عبثياً، بل يرتكز على عملية تنقية دقيقة. وأعربت عن رفضها أي قصص قد لا تتوافق مع التربية الحديثة، مثل قصص التنمر التي قد توجد في بعض المرويات القديمة. وقالت: «ننقح التراث مما يشوبه لنقدم ما يروي شغف الطفل ويحاكي احتياجاته، بعيداً عن أسلوب الوعظ المباشر».
ورأت أن التراث الإماراتي، بما يحمله من جماليات، يمثل أيقونة العصر، ولا بد من تقديمه بطريقة تمكنه من السفر عبر الأجيال وتجاوز الحدود المحلية.
ولفتت الكاتبة نادية النجار، إلى أهمية إعادة إحياء التراث وتوظيفه في أدب الطفل بأساليب مبتكرة تبتعد عن المباشرة والنمطية التقليدية، موضحة أن استقطاب جيل اليوم يتطلب مزجاً ذكياً بين الهوية التاريخية وعناصر الخيال (الفانتازيا)، لضمان تقديم مادة جاذبة تنمي خيال الطفل وتغرس فيه قيم الانتماء.
ورأت النجار أن الكتابة للطفل يجب أن تكون مختلفة وجاذبة، وقالت: «يجب ألا نكتب عن التراث بالطريقة التقليدية المباشرة، بل علينا صياغته بلغة تناسب طفل اليوم، وإذا كانت الحكايات الشعبية تحتوي على ثغرات، فمن واجبنا معالجتها وإضافة تفاصيل تمنحها روحاً جديدة». واستعرضت الكاتبة مجموعة من أعمالها التي طبقت فيها هذه الرؤية، من أبرزها «شرائط ذهب وفضة».
مشيرة إلى أنها وظفت فيها حرفة «التلي» الإماراتية. واعتبرت أن إعادة كتابة التراث برؤية جديدة لا تضر بالأصل، بل تخدمه، خصوصاً عندما يتم تقديمها في صورة قصص مستلهمة من التراث، مؤكدة أن الهدف الأسمى هو تنمية خيال الطفل.
من جانبها، شددت الكاتبة فاطمة المزروعي، على ضرورة إعادة قراءة التراث الشعبي الإماراتي وتوظيفه، ولا سيما «الخراريف» والأساطير القديمة، برؤية عصرية تبسط مفاهيمها وتنزع عنها ثوب الترهيب الذي لازمها طويلاً، موضحة أن القصص الشعبية الإماراتية، مثل شخصيات «أم الدويس» و«بابا درياه» و«سلامة وبناتها»، ارتبطت في الذاكرة الجمعية بجوانب مخيفة وقاسية.
حيث كانت تستخدم قديماً كأداة لضبط سلوك الأطفال وحمايتهم من مخاطر البيئة المحيطة. وأشارت إلى أن الوقت قد حان لتقديم هذه الشخصيات بملامح أخرى أكثر إنسانية وجمالاً، تماماً كما فعلت الثقافة الغربية مع شخصيات مثل «سندريلا» و«سنو وايت» التي يعاد تقديمها باستمرار من زوايا ومفاهيم مختلفة.
وكشفت المزروعي عن تجربتها الخاصة في مجموعتها القصصية «كحل إثمد» التي تترجَم حالياً في لندن، حيث عملت فيها على تبسيط هذه الأساطير وتقديمها بروح جديدة.
ولفتت فاطمة المزروعي إلى أن سياق الخرافة قديماً كان مرتبطاً بظروف البيئة من فقر وجوع وصحراء قاسية وغياب للأب شهوراً في رحلات الغوص، وهي ظروف أنتجت قصصاً مثل «جنّي الرطب» الذي كان يخاف منه على مصدر الغذاء.
واختتمت حديثها بالتأكيد أن إعادة تشكيل التراث لا تعني العبث به، بل هي رؤية جديدة تمنحه الاستمرارية.