«مدن البرتقال والياسمين».. ثلاثية فنية زاخرة بالحكايات

ماجدة نصر الدين مع أعمالها الثلاثة
ماجدة نصر الدين مع أعمالها الثلاثة

تنسج الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين من الوجع فرحاً يليق بالمدن، وتختصر في أعمالها المسافات، وهو ما تجلى في لوحاتها المشاركة في المعرض السنوي الحادي والأربعين لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، «ذاكرة المدن:

مقاربات بصرية في الذاكرة الحضرية»، الذي أقيم في متحف الشارقة للفنون واختتم مؤخراً، حيث حملت مشاركتها 3 أعمال بعنوان «مدن البرتقال والياسمين».

وأكدت ماجدة نصر الدين في حوارها مع «البيان» أن أعمالها المشاركة لا تتوقف عند كونها مدناً جغرافية فحسب، بل تمتد إلى مدن داخلية نحملها معنا أينما ذهبنا؛ هي الأمكنة التي تغيّرت أو ابتعدنا عنها، لكنها بقيت حيّة في تفاصيلنا الصغيرة، في الروائح والضوء وأشكال النوافذ القديمة، وفي أصوات الأشخاص الذين مرّوا في حياتنا وتركوا أثراً لا يُمحى.

وأشارت إلى أن العمل على ثلاثية بهذا الحجم تطلّب جهداً جسدياً ونفسياً كبيراً، وخصوصاً أنها كانت تتنقل باستمرار بين الرؤية الكلية للجدارية وأدق التفاصيل الصغيرة داخلها، وهذا خلق حالة من الحوار المستمر بين الجزء والكل، بين الإنسان ومدينته، وبين الذكرى والزمن.

وقالت: «أردتُ أن أقدّم هذه المدن ككائن حيّ هشّ لكنه يقاوم الزوال، لذلك جاءت البيوت التي نفذتها صغيرة جداً، كأنها ذاكرة تحاول النجاة وسط عالم مليء بالقسوة والتحولات، وربما لهذا السبب تبدو المنمنمات في العمل كأنها معلّقة بين الحضور والغياب، بين ما نتذكره وما نخشى فقدانه، فالعمل بالنسبة لي ليس مجرد حنين، بل محاولة لمصالحة داخلية، وترميم العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الإنسان ونفسه أيضاً».

وذكرت أن رحلة بناء هذه المدن استغرقت وقتاً لا يستهان به، فكانت رحلة محفوفة بالتحديات، ونجاح تنفيذها احتاج الكثير من الصبر المرتبط بالإمعان، لأنها لم تكن ترسم فحسب، بل تبني مدناً من تفاصيل وشغف.

وأضافت: «ازدحمت هذه الرحلة بمنمنمات تلامس شغاف القلب؛ بيوت صغيرة تمثّلت بعلب الكبريت وامتلأت بالحكايات، وأشخاص صامتين يسكنون اللون والذكرى، كأنهم جميعاً بقايا أنفسنا التي رفضت أن تغادر تلك المدن.

وكان التحدي الحقيقي هو كيف أحافظ على روح العمل رغم كثافة التفاصيل، كل قطعة صغيرة كانت تحتاج إلى عناية وتأمل وصبر، وكأنني أتعامل مع ذاكرة حقيقية وليست مجرد عنصر تشكيلي، أحياناً كنت أشعر بأنني لا أصنع عملاً فنياً بقدر ما أعيش حالة وجدانية طويلة، أعود خلالها إلى طفولتي، وإلى صور وأماكن وأشخاص عبروا حياتي وتركوا أثرهم داخلي».

وتكونت الأعمال من مزيج غني من الخامات التي استحضرتُها من ذاكرة المكان؛ فهي تضم أوراقاً معالجة، وأقمشة، وخيوطاً، إلى جانب أكياس الشاي وعلب الكبريت، ونبع اختيارها لتلك المواد من إيمانها العميق بمبدأ الاستدامة، وقدرتها كفنانة على رؤية الجمال في الأشياء المهملة التي يرميها الناس عادةً، لتعيد صياغتها كبيوتٍ وحكايات.

وأشارت إلى أن رسالتها من هذه الأعمال هي أن تبين أن أجنحة الحنين أقوى من أي حاجز، وأننا كبشر رغم كل ما يجري «محكومون بالأمل»، وتابعت: «أردتُ من خلال مدن البرتقال والياسمين أن أقول إن الإنسان قادر دائماً على إعادة بناء نفسه، حتى بعد الخسارات الكبيرة، ربما لا نستطيع إعادة المدن كما كانت، لكننا نستطيع أن نحافظ على روحها حيّة داخلنا».