بينما كانت عيونهم حينها تركز بثبات في اللوحات الكلاسيكية، ولوحات دي كوننغ تؤدي بهم إلى توتر ينتشر على كامل أعماله، ويفرض إيقاعه منذ النظرة الأولى، من ضجيج بسبب الأسلوب الجريء.
وأصباغ عشوائية، وألوان وكأنها قُذفت على القماش لتتشكل رؤوس غير متناسقة، وعيون فارغة وكبيرة ومتأرجحة وفم ضخم وتشويه الإنسان رجلاً أو امرأة.
فيظهر السطح كأنه خضع لتغييرات متتالية من البناء والهدم، وحين نبحث عن أقوال الفنان حول أعماله وماهيتها، كان يؤكد في الصحف المنشورة عنه أن ما يُرى من طبقات لونية هو تاريخ من القرارات البصرية، بعضها بقي ظاهراً، وبعضها دُفن تحت ما تلاه.
والجدير بالملاحظة أن الجسد يتشكل داخل هذا الاضطراب، خاصة في سلسلة المرأة، ولوحات تظهر كملامح تتفكك، وأطراف تذوب داخل الخطوط، وكأن الشكل يحاول أن يتماسك، وهو عكس ما اعتاد عليه الناس من المشاهدات الكلاسيكية وأجساد أو هيئات ثابتة، بينما تدفع هنا القوى المحيطة بالرسم نحو الانفلات..
وشعور التوتر المستمر بين أن يتكوّن ويتفكك، مع كثافة عالية. وفي إحدى الصحف الفنية عن النقاد الذين تحدثوا عن الحواف، وهي نظرة في غاية الأهمية، رأوا أن الحدود في حالة اختلاط، حيث يتسرب اللون إلى الخط، ويتحول الخط إلى كتلة، ثم يعود ليفقد شكله من جديد..
هذا التداخل يجعل العين في حركة مستمرة، دون استقرار عند نقطة واحدة، بل تتنقل داخل العمل في تتابع كأنه صراع مفتوح. إذن اللوحة هنا لا تقدم صورة نهائية .
كما نتوقع، بقدر أنها فعل مستمر، من أثر اليد الواضح، والضربات التي تحمل طاقة جسدية، فلا شيء ساكن، حتى المساحات التي تبدو فارغة تحمل بقايا حركة سابقة، وكأنها أحداث القرن العشرين المربكة، من حروب واقتصاد خلقت الإنسان المُشوّه روحياً.
يبقى أنه مع التأمل يتغير إدراك العمل، فالرسم لدى ويليام دي كوننغ هو التوتر الداخلي، ولعله أثر صراع لا يُحسم، ليبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة.
