التراث الموسيقي الإماراتي.. كنز ثقافي للأجيال جدير بالتوثيق

الفنون الشعبية الإماراتية حاضرة في المناسبات الوطنية والاجتماعية
الفنون الشعبية الإماراتية حاضرة في المناسبات الوطنية والاجتماعية

تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة جهوداً حثيثة لتوثيق التراث الموسيقي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، وذلك من خلال إعادة الإحياء، والتسجيل، و«التنويت»، والبحث، والأرشفة، والرقمنة، إضافة إلى دمج الموسيقى التقليدية في القوالب المعاصرة.

وكان من أبرز جهود الحفاظ على الذاكرة الموسيقية في الإمارات إنشاء الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات، بهدف إحياء التراث الموسيقي بأسلوب احترافي وعصري، وإبراز الهوية الإماراتية، إضافة إلى جهود مختلف المؤسسات والجهات للحفاظ على هذا الإرث.

وأكد عدد من المبدعين الموسيقيين لـ«البيان» أن دولة الإمارات أطلقت العديد من المبادرات للحفاظ على الإرث الموسيقي وتعزيز حضوره في المناسبات الوطنية والمجتمعية، مشيرين إلى أن نقله إلى الأجيال القادمة يتطلب مزيداً من الجهود والتحفيز على التمسك به، إلى جانب العمل بشكل أوسع على توثيق النغم الإماراتي و«الفنون الأدائية» والرواية الشفوية.

وفي هذا السياق، أكد الفنان والملحن الإماراتي إبراهيم جمعة أهمية حفظ التراث الموسيقي، مشيراً إلى تجربته الخاصة في هذا المجال، وقال: «خضت تجربة في هذا المجال برفقة الموسيقي شاكر حسن، وتمت ترجمة هذه التجربة إلى منهاج هو الآن بتصرف وزارة التربية والتعليم، وفي سياق هذه التجربة، قام شاكر حسن بـ«تنويت» الإرث الموسيقي الإماراتي».

وأضاف: «شملت التجربة كل الفنون الشعبية، كما تم تنويتها بالصورة عبر الفيديو، لتسجيل حركة العصا أو الإيماءات في الأداء، كما نوتنا الموسيقى حسب المقامات.

وكذلك الإيقاع، ما أثمر في النهاية عن منهاج متكامل وافٍ». وأكد أنه سجل الفلكلور المخصص للأطفال بتكليف من مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث. وأردف: «لدينا موسيقيون وملحنون وكتاب أغنية وأصحاب أصوات من الدرجة الأولى، ليست لدينا مشكلة في الكوادر الإبداعية، لكن يجب أن تكون لدينا مؤسسة تعتني بإنتاجات الفنان الإماراتي، وتحفز الفنانين الإماراتيين على إعادة إنتاج تراثنا الغنائي والموسيقي».

وأضاف: «تراثنا غني، إنه كنز موسيقي وغنائي، ولكن يجب جمعه بشكل منهجي، وعلى نحو محترف، وهذه مسؤولية المؤسسات الثقافية، التي بوسعها أن تجوب أنحاء إماراتنا الحبيبة كلها، وجمع هذا التراث وتسجيله وتدعيمه بفيديوهات توثيقية».

من جهته، أشار الشاعر والباحث التراثي الإماراتي خالد البدور إلى أن موضوع التراث الموسيقي يقع في نطاق ما يسمى بالتراث غير المادي، الذي دعت دول العالم منذ نحو نصف قرن إلى الاهتمام به، باعتباره إرثاً إنسانياً عاماً، ومخزناً للهوية الثقافية، والإمارات من ضمن الدول التي وقّعت على اتفاقية «اليونسكو» لصون التراث الثقافي غير المادي للعام 2003، وأدت دوراً محورياً في حماية التراث والترويج له إقليمياً وعالمياً.

وتابع: «قامت الدولة بجهود متعددة لصون الإرث الموسيقي منذ تأسيسها على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي دعا إلى ضرورة المحافظة على الفنون الشعبية وحمايتها.

ووجّه بإنشاء جمعيات شعبية، تضم الفرق التي كانت موجودة سابقاً والمؤدين والشعراء تحت مظلة الدولة، وهذه الجهود قادت منذ البداية إلى المحافظة على التراث الموسيقي والفني، وأتاحت الفرصة له ليكون حاضراً في المناسبات العائلية والوطنية والاجتماعية.

كما تم إلى جانب ذلك الاهتمام بجمعيات الفنون الشعبية مالياً وإدارياً، ومن هذا المنطلق أيضاً نشأت جهات ثقافية، أثمرت جهودها عن أرشفة التراث، مثل الأرشيف والمكتبة الوطنية، ومركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، ومعهد الشارقة للتراث، وغيرها».

وأضاف: «بسبب طوفان الحداثة، وانتشار أشكال معاصرة من الموسيقى، بات من الضروري إعادة تقديم تراثنا الموسيقي للأجيال الجديدة، كما ينبغي الحرص على أن يكون هذا التراث حاضراً في المناهج الدراسية، وهذا نوع من الاستثمار في الإنسان».

وشدد على أهمية تمكين التلاميذ في المدارس والطلاب الجامعيين من الجنسين من تراث بلادهم الموسيقي، والاهتمام به وإجادة فنونه، وتشجيعهم على اتخاذه مهنة لهم، كما يجب الحرص على أن تفعّل الجهات المعنية جهودها في مجال جمع التراث، والاستفادة من الذاكرة الشعبية في تدوينه وتسجيله وأرشفته.

أساليب معاصرة

بدوره، أكد الفنان الدكتور طارق المنهالي، نائب رئيس جمعية الموسيقيين الإماراتيين، أن الحفاظ على الذاكرة الموسيقية الإماراتية لا يكون فقط بالأرشفة، بل بجعلها قادرة على العيش والتجدد داخل وجدان الأجيال الجديدة.

وتابع: «هناك عدة خطوات أساسية، أولاها توثيق الأعمال التراثية والأغاني القديمة بجودة عالية صوتاً وصورة، مع حفظ القصص المرتبطة بها وأسماء الشعراء والملحنين والعازفين، وإدخال الموسيقى الإماراتية والموروث الفني ضمن البرامج التعليمية والحصص الموسيقية المدرسية التأسيسية، إلى جانب تقديم التراث بأساليب معاصرة تحافظ على روحه الأصيلة، مع توظيف التقنيات الحديثة ومنصات التواصل للوصول إلى الشباب».

وأضاف: «للحفاظ على التراث الموسيقي الإماراتي لا بد من دعم الفنانين والباحثين المهتمين بالموروث، وتشجيع المشاريع التي تربط بين الهوية الموسيقية الإماراتية والانفتاح الثقافي العالمي، وكذلك تعزيز مفهوم «الجيوموسيقية» الذي يقوم على ربط موسيقى وجغرافيا الهوية الثقافية الإماراتية بمواريث الشعوب، ما يجعل الفن الإماراتي جسراً للتواصل بين الشعوب دون أن يفقد أصالته».