فاطمة الصايغ.. حين يتحول التأريخ إلى مسؤولية وطنية

منذ اللحظات الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان بهويته وانتمائه، تنشأ علاقة خاصة مع التاريخ بوصفه ذاكرة حيّة تحفظ تفاصيل المكان والإنسان، وتمنح الأجيال القدرة على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

تبرز الدكتورة فاطمة الصايغ، الأكاديمية في جامعة الإمارات، وعضو مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، بوصفها واحدة من أبرز الأسماء التي كرّست جهدها لقراءة تاريخ الإمارات من داخله، وتحويله من سردٍ للأحداث إلى مشروع وطني يسهم في بناء الوعي الثقافي وتعزيز الهوية الوطنية.

وتستعيد الصايغ بدايات علاقتها بالتاريخ في مقابلة مع «البيان»، قائلة: «كنت دائماً أسأل والدي: من هم، خالد بن الوليد، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب؟ كل هؤلاء الذين نسمع عنهم ونقرأ عنهم، أردت أن أعرف المزيد عن حياتهم، وتحول هذا الفضول مع الوقت إلى شغف بدراسة التاريخ».

وأوضحت الدكتورة فاطمة الصايغ في حديثها أنها التحقت بجامعة الكويت مع المجموعات الأولى التي أُرسلت للدراسة قبل إنشاء جامعة الإمارات بعام أو أكثر، حيث درست التاريخ على أيدي أساتذة من مختلف الدول العربية، واطلعت على مجالات متعددة، من التاريخ الحضاري إلى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ما أسهم في توسيع رؤيتها وفهمها لمسارات التاريخ وتطوره.

وأضافت: ما شدني بشكل خاص هو التاريخ الاقتصادي، لأن الاقتصاد ركيزة أساسية في تطور ونماء المجتمع وخيره، ومن هنا أدركت أن فهم التاريخ لا يكتمل دون فهم حركة الاقتصاد وتحولات المجتمع.

وأوضحت الدكتورة فاطمة الصايغ أنها بعد تخرجها وبدء عملها أستاذة لتاريخ الإمارات والخليج العربي في جامعة الإمارات، اكتشفت غياب كتب كُتبت بأيدٍ إماراتية توثق تجربة الدولة، الأمر الذي دفعها إلى بدء مشروع فكري لتأليف كتاب «الإمارات العربية من القبيلة إلى الدولة»، والذي أصبح لاحقاً مرجعاً معتمداً في تدريس تاريخ الدولة داخل الجامعة.

وأكدت أن هذا المشروع لم يكن مجرد عمل أكاديمي، بل مسؤولية وطنية. واستطردت: «شعرت أن عليّ واجباً أن أكتب تاريخنا بأيدٍ وطنية، وأن أقدمه كما هو، بعيداً عن الأخطاء أو التفسيرات غير الدقيقة التي وردت في بعض الكتابات السابقة، لأن تاريخ الدول هو في جوهره تاريخ شعوبها».

وأشارت إلى أن أبرز التحديات التي واجهتها في كتابة تاريخ الإمارات تمثلت في محدودية المصادر المحلية، إذ كان معظم التاريخ يُنقل شفاهياً، ما تطلب جهداً كبيراً لتحويل الروايات الشفاهية إلى مادة علمية موثقة، مع الاعتماد على مقارنة المصادر المحلية بالأجنبية للوصول إلى قراءة متوازنة للتاريخ.

وتابعت: «إن دراسة مصادر الدول المجاورة، مثل السعودية وعُمان، أسهمت في بناء صورة أكثر شمولاً للأحداث التاريخية أغنت بحثي وجهدي في الصدد، كما أن البحث التاريخي المعمق، بين ويبين كيف أن فكرة الاتحاد في الإمارات لم تنشأ فجأة، بل كانت نتيجة مسار طويل من الرغبة المشتركة في الوحدة، قادها المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ذلك حتى تبلور وقام اتحاد دولة الإمارات».

وفي ما يتعلق بتدريس التاريخ، شددت الدكتورة فاطمة الصايغ على أهمية أن يُدرس التاريخ باللغة العربية، موضحة أن اللغة الأم هي الأقدر على نقل القيم والثقافة، وأن تدريس التاريخ بلغة مختلفة قد يضعف ارتباط الطالب بهويته وتراثه.

كما لفتت إلى أن التحولات الرقمية فتحت آفاقاً جديدة لتقديم التاريخ بوسائل حديثة، مثل الصور والأفلام والوسائط التفاعلية، ما يساعد على تقريب الأحداث إلى الأجيال الجديدة وربطها بالواقع، دون أن يغير ذلك من جوهر التاريخ نفسه.

وحول دور وسائل التواصل الاجتماعي، أوضحت أنها سلاح ذو حدين، يمكن أن تسهم في تعزيز معرفة الشباب بتاريخهم، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى نشر معلومات غير دقيقة، خاصة مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يتطلب وعياً أكبر في التعامل مع المحتوى التاريخي.

وشددت الدكتورة فاطمة الصايغ على أن للمرأة دوراً مهماً في قراءة التاريخ وكتابته، مشيرة إلى أنها تمتلك قدرة خاصة على فهم المشهد الاجتماعي وتحليل تحولاته، ما يجعل حضورها في مجال البحث التاريخي ضرورة لإثراء السرد التاريخي وتقديم رؤية متكاملة للمجتمع.

وختمت الدكتورة فاطمة الصايغ حديثها برسالة تؤكد أهمية التاريخ في بناء الوعي الوطني، مستشهدة بقول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل»، وأن معرفة الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها تعزز شعورها بالانتماء والفخر، وتمنحها القدرة على المشاركة في صناعة المستقبل.