بين ريشة تنبض بالحياة ومساحات تتسع لدهشة المتلقي، يشهد المشهد التشكيلي في الإمارات تحوّلاً لافتاً يعيد تعريف علاقة الفن بجمهوره، ويخرجه من عزلته النخبوية إلى فضاء أكثر رحابة وتفاعلاً.
فمع تنامي المبادرات الثقافية والفعاليات الفنية، لم يعد الفن التشكيلي مجرد تجربة بصرية عابرة، بل أصبح لغة يومية مشتركة تصاغ في قلب المجتمع، وتمارَس بوصفها جزءاً من ثقافة الحياة.
وفي هذا السياق، ترصد «البيان» في هذا التقرير ملامح التحول النوعي، من خلال شهادات فنانين ومبدعين عايشوا الحراك عن قرب، حيث تتقاطع التجارب لتؤكد أن الفعل الفني في الإمارات تحرر من ضيق القاعات المغلقة، وبات حواراً مفتوحاً مع الجمهور، ومساحة لإعادة اكتشاف الجمال، وتعزيز الوعي، وصياغة ذائقة بصرية أكثر عمقاً وانخراطاً في تفاصيل المشهد الإبداعي.
وأكدت الفنانة التشكيلية والمهندسة فيينا فؤاد، عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أهمية الدور الجوهري الذي تنهض به المبادرات الثقافية في دولة الإمارات لتعزيز الوعي الفني وتقريب الفنون التشكيلية من مختلف شرائح المجتمع، منوهةً بالاحتفالية التي نظمتها مكتبة محمد بن راشد بدبي أخيراً بمناسبة «اليوم العالمي للفن التشكيلي».
وأوضحت فيينا أن الفعالية تضمنت ورشة عمل للرسم الحي في الفضاء الخارجي للمكتبة، إضافة إلى معرض فني في البهو الداخلي يضم نخبة من الفنانين من مختلف الجنسيات والخلفيات الثقافية، معربةً عن سعادتها بالتفاعل اللافت من الزوار بمختلف أعمارهم خلال هذه اللقاءات التي تترك أثراً جمالياً مستداماً لدى الجمهور.
وأشارت فيينا فؤاد إلى أن الإمارات تولي اهتماماً فائقاً بالفنون بجميع أشكالها في إماراتها كافة، مؤكدةً أن التركيز على الورش التفاعلية الحية أمام الجمهور يسهم في استقطاب المبتدئين والخبراء على حد سواء، ما يحبب الجمهور في الفن التشكيلي ويشجعهم على الإبداع.
ولفتت فؤاد إلى أن منح الإقامة الذهبية للمبدعين والفنانين شكّل حافزاً كبيراً ودعماً مباشراً لتعزيز الحراك الفني في الدولة، ما أدى تنامي الوعي الفني المجتمعي وتطور ذائقة الجمهور، موضحةً أنها لمست في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في مستوى وعي الناس وتفاعلهم مع الأعمال الفنية.
وأشاد الفنان التشكيلي السوري أسامة أحمد منصور، بالنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها الإمارات، وباتت توفر مناخاً استثنائياً للفنانين والمبدعين، موضحاً أن الدولة استطاعت، من خلال فعالياتها الفنية المتعددة، أن تخلق أجواءً مثالية للمعارض.
وأشار منصور إلى أن الفنان يجد دعماً متكاملاً في الإمارات يشمل توفير الأماكن الجمالية الراقية، والتغطية الصحفية الواسعة، والجو العام المحفز على الإبداع، قائلاً: «المبادرات الفنية في الإمارات تتميز بالدقة في التنظيم والاحترافية في الترويج الإعلامي، وهو ما لمسناه في مشاركاتنا المتعددة».
وأوضح الفنان أسامة منصور إلى أهمية الانتقال من المجموعات الفنية الشخصية إلى العمل المؤسسي المنظم. مؤكداً ضرورة تسهيل إجراءات الانتساب للجمعيات الفنية الرسمية، وتبسيط المتطلبات الإدارية والأكاديمية للفنانين الهواة وأصحاب الموهبة الحقيقية، مع التركيز على جودة العمل الفني كمعيار أساسي بدلاً من الشهادات العلمية فقط.
ورأى منصور أن ثمة طفرة مشهودة في الوعي الفني والثقافي عموماً لدى المتلقي خلال المرحلة الأخيرة، واصفاً الجمهور الإماراتي بأنه «جمهور مثقف»، وهو الأمر الذي لمسه عن قرب من خلال النقاشات التي يخوضها الزوار أمام اللوحات الفنية وتعكس تفهماً عميقاً للألوان والتقنيات الفنية والجهد المبذول في العمل الإبداعي. واختتم منصور حديثه بالإشادة بمستوى الرقي في النقد.
من جانبه، أوضح الفنان التشكيلي علي الدبساوي، أن الفعاليات الثقافية والورش التدريبية نجحت في إخراج الفن من إطاره النخبوي الضيق ليصبح متاحاً للجمهور العام، مؤكداً أن إقامة الورش في الأماكن العامة والمراكز التعليمية أسهم في تعليم الأطفال والأجيال الناشئة مبادئ الفن بأساليب مبسطة، وتحفيز الزوار على التحول من مجرد متلقين أو مشاهدين إلى ممارسين للهواية، حيث يمتد التواصل معهم حتى بعد انتهاء المعارض لتقديم الاستشارات الفنية لهم.
ولفت الدبساوي إلى أن الفن ليس مجرد لوحات تُعرض، بل وسيلة لإعادة خلق البيئات التي يصعب الوصول إليها في الواقع وتوثيقها بدقة متناهية، مشيراً إلى أنه يركز في ممارسته الفنية على ثلاثة مجالات رئيسة: فن الديوراما (المصغرات)، حيث يقوم بتحويل المباني الضخمة والمشاهد الواقعية إلى مجسمات مصغرة مع مراعاة أدق التفاصيل المعمارية، وفن الفيلوغرافيا، وهو التشكيل الفني باستخدام الخيوط والمسامير لإنتاج لوحات بصرية معقدة، وفن البيروغرافيا، وهو الرسم بالحرق على الخشب، لخلق تدرجات لونية طبيعية مستمدة من حرارة الحرق دون استخدام الألوان التقليدية.