بدر الموسوي يرمم الذاكرة ويستحضر علاقة الإنسان بالموروث

سرير الطفولة الذي حوّله بدر إلى عمل فني متميز
سرير الطفولة الذي حوّله بدر إلى عمل فني متميز
بدر الموسوي
بدر الموسوي

في زاوية هادئة من ذاكرة منزل إماراتي، لم يكن السرير الخشبي مجرد قطعة أثاث عتيقة، بل حكاية متوارثة تختزن دفء الطفولة وملامح زمن مضى. من هنا، بدأ الفنان الإماراتي الشاب بدر الموسوي رحلته، لا لترميم الخشب فحسب، بل لإعادة إحياء ذاكرة كاملة عبر عمل فني يتجاوز حدود الشكل إلى عمق الشعور.

ويعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وموروثه في زمن تتسارع فيه التحولات. وفي مقاربة فنية تستنطق الأشياء الصامتة وتعيد توظيفها ضمن خطاب بصري معاصر، قرر الموسوي أن يمنح «المنز» حياة ثانية، بعدما رافق أجيالاً منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، فلم يتعامل معه بوصفه مادة جامدة، بل باعتباره مستودع ذكريات، فحوّله إلى عمل تركيبي ينبض بالحياة، يجمع بين أصالة الماضي وابتكارات الحاضر.

لحظات الحنان

«اليد الذهبية» في قلب هذا العمل، كانت هي الرمز البصري والإنساني بالغ الدلالة الذي جسّد من خلاله الفنان جانباً مضيئاً من الذكريات الدافئة ليحاكي يد الجدة وهي تهز السرير برفق، مستحضراً لحظات الحنان الأولى.

هنا، تتداخل التقنية مع العاطفة، إذ وظّف الموسوي التقنيات الحديثة مدعومة بمحرك آلي يمنح الحركة استمراريتها، فيخلق مشهداً دائرياً يعيد إنتاج الذاكرة وكأنها تحدث الآن، في تماهٍ بين الماضي والحاضر.

ولم تقف التجربة عند حدود الفكرة، بل امتدت إلى معالجة دقيقة للقطعة؛ إذ كشف الفنان عن طبقاتها اللونية المتراكمة عبر السنوات، محافظاً على أثر الزمن كجزء من جمالها، في حين عمل على تدعيم بنيتها بهيكل أكثر صلابة يضمن استمراريتها، كما استخدم مواد وتقنيات حديثة لمعالجة التشققات والتآكل، دون أن يمس روحها الأصلية، محققاً توازناً لافتاً بين الحفظ والتجديد.

هوية ثقافية

وتتجاوز هذه التجربة بُعدها الشخصي لتلامس بعداً مجتمعياً أوسع، إذ تعكس وعياً متنامياً لدى جيل من الفنانين بأهمية صون الذاكرة اليومية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية.

فالأشياء البسيطة، مثل «المنز»، لا تُختزل في وظيفتها، بل تتحول إلى وسيط سردي يوثق تفاصيل الحياة، حين تقع في يد مبدع يعيد تقديمها ضمن رؤية فنية قادرة على مخاطبة الحاضر دون أن تفقد صلتها بالجذور.

وبهذا العمل، لا يقدم بدر الموسوي مجرد تجربة فنية، لكنه يطرح رؤية ثقافية أوسع تؤكد أن التكنولوجيا ليست نقيضاً للتراث، بل وسيط يعيد صياغته ويمنحه أفقاً جديداً. إنها دعوة لإعادة النظر في المقتنيات القديمة بوصفها حوامل للمعنى، قادرة عبر حس إبداعي واعٍ على التحول إلى أعمال فنية تنبض بالحياة، وتحفظ الذاكرة من التلاشي في زمن النسيان.