غير أن هذه الموسوعة لا تختزل في الجراحة وحدها، بل تضم كتباً متخصصة أخرى شكلت نواة علوم قائمة بذاتها، من أبرزها كتاب الكي، الذي قدم فيه الزهراوي أول معالجة علمية منهجية لهذا الأسلوب العلاجي القديم، محولاً إياه من ممارسة بدائية إلى إجراء طبي مضبوط بالقواعد والتشخيص والأخلاق.
غير أن استعماله ظل طويلاً خاضعاً للتجربة العشوائية، وكثيراً ما ارتبط بالمشعوذين والمعالجين الشعبيين.
فتسبب في تشويه المرضى أو إعاقتهم أو وفاتهم، جاء الزهراوي في القرن الرابع الهجري ليضع حداً لهذا الاضطراب، وينقل الكي من حقل المغامرة إلى حقل الطب المنهجي.
موقع الكتاب داخل «التصريف»
كتاب في الكي بالنار وأحكامه، وكان يُنسخ أحياناً وحده، ويُتداول ككتاب أو كمرجع مستقل بين الأطباء.
منهج الزهراوي
كما رفض استعماله بوصفه علاجاً أولياً أو سهلاً، محدداً المواضع تشريحياً، شارحاً مواضع الكي على الجسد، وعمق الحرق المناسب، وعدد مرات الكي، والأدوات المستعملة، وحتى شكل المكواة وحرارتها.. ليصبح أول من ربط الكي بعلم التشريح ربطاً علمياً واضحاً.
التحذير من الإفراط في الكي
ولهذا شدد على أن من لا يُحسن علم التشريح ولا خبرة الجراحة، لا يحل له أن يمس جسد الناس بالنار، وهنا تتجلى إحدى أقدم الصيغ الواضحة لما يمكن تسميته اليوم أخلاقيات الممارسة الطبية.
أثر الكتاب في الطب الأوروبي القديم
واعتمد عليه الجراحون الأوروبيون في العصور الوسطى بوصفه المرجع الأوثق في العلاج الحراري.
حيث تعرف الأطباء الغربيون من خلاله، للمرة الأولى، على استعمال منضبط للكي يقوم على التشخيص الدقيق، وتحديد الموضع التشريحي، وضبط درجة الحرارة، والتحذير من الإفراط حتى القرن السادس عشر.
وظل هذا التصور حاضراً في كتب الجراحة الأوروبية حتى القرن السادس عشر، عند أطباء مثل الفرنسي غي دي شولياك، من القرن الرابع عشر الميلادي، ويعد طبيب عصره.
وكذلك الجراح الفرنسي أمبروز باريه من القرن السادس عشر، وأحد رواد الجراحة الحديثة، الذين استشهدوا مباشرة أو ضمنياً بالمدرسة الأندلسية في الجراحة، وبالأخص الزهراوي.
في الطب الحديث
ويعرف بالكي الكهربائي، ويستخدم في إيقاف النزيف، وإغلاق الأوعية الدموية وإزالة الأورام الصغيرة، وجراحة الأعصاب، وجراحة الجلد.. أي ذات الأسباب قبل ألف عام.
وضمن حدود تشريحية وأخلاقية صارمة، وهي الفكرة نفسها التي وضع الزهراوي أسسها قبل ألف عام حين قال: عملياً، إن النار يجب أن تكون آخر الدواء لا أوله.
لماذا يُعد هذا الكتاب مفصلياً؟
ففي كتابه عن الكي، لا يعلمنا الزهراوي كيف نحرق الجسد، بل كيف نحميه من الحرق غير الضروري. يعلمنا أن القوة في يد الطبيب ليست في النار التي يحملها، بل في المعرفة التي تضبطها، وفي الضمير الذي يقيدها..
وهكذا رسم أدوات الجراحة في كتابه الشهير، وبالتحديد في كتاب الكي، رسم حدوداً دقيقة بين العلاج والأذى، وبين العلم والعنف، وبين الطبيب والمقامر بأجساد الناس.
