عبدالرحمن القيزي.. حين تغدو «الجلافة» مسؤولية ثقافية ووطنية

عبدالرحمن القيزي.. قصة شغف بحرفة عريقة تعانق جمال ملامح دبي
عبدالرحمن القيزي.. قصة شغف بحرفة عريقة تعانق جمال ملامح دبي

في ورشة هادئة على ضفاف خور دبي، تمتزج رائحة الخشب بصوت هدير أمواج البحر، وتنثال خيوط حكاية مهنة عريقة ارتبطت بتاريخ الإمارة وعبق بحرها.

إذ يواصل عبدالرحمن سيف القيزي، من ورشته، مسيرة إرث والده الراحل، الجلاف سيف القيزي، الذي كرّس حياته لصناعة السفن الخشبية «الجلافة»، وأسهم في ترسيخ مكانتها في ذاكرة دبي البحرية.

وقد روى عبدالرحمن القيزي في حديثه لـ«البيان»، في البداية، ملامح من سيرة حياة أبيه وشغفه بالمهنة: إن والدي، الراحل سيف القيزي، من مواليد عام 1924 بمنطقة أم هرير في بر دبي، ونشأ وهو يحمل عبء المسؤولية باكراً بعدما فقد والده الشاعر محمد بن مصبح القيزي وهو في التاسعة من عمره.

وبعد وفاة أبيه، تولى عمه درويش بن مصبح أحد أساتذة مهنة الجلافة رعايته وتعليمه أسرار صناعة السفن، فشبّ محباً لهذه الحرفة ومتمسكاً بها.

ويوضح عبدالرحمن أن والده بدأ العمل في المهنة منذ نعومة أظفاره، واستمر فيها حتى أسس ورشته الخاصة في أربعينيات القرن الماضي في منطقة الراس بدبي، قبل أن يفتتح للورشة فروعاً أخرى في أماكن مختلفة من الإمارة.

وأضاف: انتقلت من الراس إلى منطقة رقة البطين ثم منطقة حديقة الخور قرب جسر القرهود، حيث استقريت طوال السبعينيات وحتى أواخر الثمانينيات. وفي عام 1988 انتقلت إلى منطقة الجداف، لكن لا يزال عمل الورشة مستمراً حتى اليوم.

وبين القيزي أن علاقته بالمهنة لم تبدأ بالطريقة التقليدية، فوالده لم يكن يرغب في أن يسلك ابنه طريق صناعة السفن خوفاً من مستقبل المهنة في ظل تراجع الطلب على السفن الخشبية واتجاه السوق نحو السفن الحديثة، مضيفاً:

«بعد أن أنهيت دراستي الثانوية كنت أتردد على الورشة وأتعلم من الحرفيين أسس المهنة، لكن والدي كان يرفض ذلك تماماً لأنه كان يخشى عليّ من مستقبل مجهول لهذه الحرفة».

ولفت عبدالرحمن إلى أنه اختار طريقاً مختلفاً في البداية، فقد درس الإدارة ثم نال درجة الماجستير بعدها في تخصص القيادة والموارد البشرية، وعمل في شركة الإمارات العالمية للألمنيوم في جبل علي لمدة خمس سنوات، إلا أن مسار حياته تغير حين اعتلّت صحة والده، فقرر ترك عمله عام 2014 ليتفرغ لمساندة والده في الورشة. وتابع: «أنا ابنه الوحيد، ومرضه شق عليّ كثيراً.

لذا كان من الصعب عليّ ترك المكان الذي رأيته يقضي كل حياته فيه. وقتها شعرت أن هذه الورشة ليست مجرد مهنة كغيرها من المهن، بل هي جزء من تاريخ إمارة دبي وإرث يتوجب عليّ صونه».

وخلال السنوات العشر التي تلت ذلك، تعلم عبد الرحمن تفاصيل المهنة شيئاً فشيئاً. وأوضح أنه اليوم، صار يتولى إدارة الورشة والإشراف الفني عليها مع المتخصصين في صناعة السفن.

كما أكد أن والده لم يكن ينظر إلى المهنة باعتبارها تجارة بقدر ما كان يراها شغفاً وتحدياً. ويروي إحدى القصص التي يتجلى فيها براعة إتقان والده للحرفة.

إذ صنع لأحد الأشخاص قارباً من دون مقابل، شريطة أن يحصل على مكافأة إذا فاز القارب في السباق. وبعد أن فاز القارب بالمركز الأول، جاء صاحبه إلى الورشة في اليوم التالي وقدم لوالده سيارة من طراز جديد هدية منه وامتناناً له.

وبين عبدالرحمن القيزي أن الورشة شهدت على مدار عقود صناعة عدد من القوارب المعروفة، لشخصيات بارزة، إلى جانب تنفيذ أعمال وصيانة لعدد من الجهات والشخصيات التي وثقت بمهارته عبر السنوات.

ووصف عبدالرحمن والده بأنه كان يعتبر البحر والورشة جزءاً من حياته اليومية. وقال، إن إرث الوالد لا يقتصر على الجانب المهني فقط، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي أيضاً، فقد عُرف بين أبناء الحيّ بكرمه وحرصه على مساعدة الآخرين.

ورغم استمرار الورشة حتى اليوم، يواجه عبدالرحمن عدداً من التحديات، منها تراجع الطلب على السفن الخشبية، واضطراره إلى نقل مكان الورشة من موقع إلى آخر خلال السنوات الأخيرة، إلا أن زبائنه ظلوا يقصدون ورشته رغم ذلك، ثقة منهم بمدى الإتقان المتوارث للحرفة لديه.

أما عن رؤيته للمستقبل، فيشير عبد الرحمن أنه يطمح إلى تطوير الورشة لتصبح معهداً حرفياً لتعليم صناعة السفن التقليدية بالإضافة إلى تحويلها لمحطة ثقافية وسياحية تعرّف الزوار بتاريخ المهنة، ومضيفاً:

«كثير من السياح الذين يزورون مكتبة محمد بن راشد المجاورة يمرون بالمكان ويسألون عن تفاصيل صناعة السفن». وقال، إن الحفاظ على هذا الإرث ليس مجرد عمل مهني، بل مسؤولية ثقافية ووطنية، لأن تاريخ دبي البحري ارتبط بالسفن الخشبية التي قامت عليها التجارة والغوص والسفر، قبل أن تتحول المدينة إلى ما هي عليه اليوم.