فالرواية بجزأيها «سيرة الجوع والشبع» و«سيرة الدم والذهب»، لا تحكي قصة «دلشاد» وابنته «مريم» فحسب، بل تستخدمهما عدسة نقدية لفحص مفاهيم الذاكرة والهوية ومعنى الكرامة الإنسانية في مواجهة التحولات الاجتماعية الساحقة، إنها قراءة للتاريخ من منظور فلسفي.
حيث يصبح الماضي مرآة للوجود الإنساني في صراعه الأزلي مع الحاجة والغياب، وتأملاً عميقاً في الطريقة التي يشكل بها الألم وعينا بذواتنا وبالعالم.
ولكن لا أظن أننا سنفهم الشبع أبداً»، وهذا الاقتباس لا يتحدث عن الطعام، بل عن هوية نُحتت في أتون الحرمان، فالجوع هنا هو جوع إلى الانتماء في عالم يلفظه، وجوع إلى الأمان في حياة لا تعرف الاستقرار، وجوع إلى المعنى في مصير يبدو عبثياً.
وهذا الطرح النقدي يفكك المفهوم المادي للحاجة، ليُظهره قوة ميتافيزيقية تشكل الوعي وتحدد علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم، و«الشبع» في المقابل، ليس مجرد امتلاء، بل هو حالة «اكتمال» وجودي تظل عصية على التحقق.
فحتى عندما تنتقل «مريم» من الفقر إلى الثراء في بيت عبداللطيف لوماه ذي الأسوار العالية، يظل «شبح الجوع» كامناً في ذاكرتها، ليؤكد أن الشبع الحقيقي ليس في امتلاك الأشياء، بل في ترميم شرخ الروح الذي أحدثه الغياب الأول، ذلك الفراغ الذي وصفته الرواية بدقة: «كبر الفراغ في قلبي فأوجعني وأوجعتني خيبتي، خيبة من ظن أنه وجد ثم أدرك أنه ضيع ما وجد».
الذاكرة ساحة صراع
والأفراح الصغيرة لأناس عاشوا على الهامش، من خلال تقنية تعدد الأصوات، تحرر بشرى خلفان السرد من هيمنة الصوت الواحد، وتفتح ساحة صراع بين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية، هذا الصراع هو في جوهره صراع إنساني حول الحق في السرد، والحق في امتلاك المعنى، إن الرواية تطرح سؤالاً نقدياً عميقاً: هل التاريخ هو ما حدث، أم ما نتذكره؟
ومن خلال شخصياتها التي تنتمي إلى أعراق وثقافات مختلفة «عرب، بلوش، وهنود»، وتؤكد الرواية أن الذاكرة الجماعية ليست كتلة صماء، بل هي فسيفساء من الذكريات المتصارعة التي تشكل هوية المجتمع، إنها تعيد الاعتبار للتاريخ الشفوي، للحكايات التي تُروى في الأزقة والبيوت.
والتي تحمل صدق التجربة الإنسانية، فالرواية بذلك لا تؤرخ لمسقط، بل لذاكرة مسقط، الذاكرة التي تسكن في روائح التوابل، وأغاني البحارة، وندوب الأجساد المنهكة.
نقد الحداثة وتكاليفها
فهو الكلفة الإنسانية لهذا الوعد، دم الماضي الذي يُدهس تحت عجلات التحديث، ودم العلاقات الاجتماعية التي تتفسخ، ودم الهوية التي تتشظى، الرواية هنا تُسقط السرديات الكبرى حول «التنمية» و«الازدهار» لتكشف عن وجهها الآخر، بمفاهيم الاغتراب.
وفقدان الأصالة، ونشوء أشكال جديدة من الاستلاب، وشخصية «مريم» تجسد هذا الصراع الإنساني، فهي تقف على جسر بين عالمين، عالم «الجوع» الذي شكل ذاكرتها، وعالم «الذهب» الذي يفرض منطقه الجديد، أما ابنتها «فريدة»، فهي تمثل جيل المستقبل الذي قد يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، ولكنه يعاني «فقر الذاكرة»، وهو ما يطرح السؤال الأخطر، ما الذي يتبقى من الإنسان حين يربح العالم ويخسر ذاكرته؟
إن الرواية تحذر من أن الذهب قد يملأ الجيوب، لكنه لا يملأ فراغ الروح، ولعل أكثر ما يُجسّد هذا الفراغ مأساويةً هو أن «دلشاد» الذي سافر إلى الهند وعاد يبحث عن ابنته «مريم»، لم يجدها في نهاية المطاف، تشعبت الدروب بينهما.
وتقاطعت المصائر، وتراكمت السنون، لكن الطريق إليها ظل مقطوعاً رغم إرادته، وهنا تكشف الرواية عن حقيقة مؤلمة؛ وهي أن تحولات الزمن ومفارقاته حين تتسارع لا تُفرق الإنسان عن ماضيه فحسب، بل تُفرقه عمن يحب.
وتجعل اللقاء الذي طال انتظاره حلماً يتآكل على حافة الزمن، وفي هذا البحث الذي لم يُكلَّل، يتساءل «دلشاد» بحسرة: «أخذت مريم كل شيء عن أمها ولم تأخذ مني شيئاً سوى ضحكتي، هل ما زالت تضحك؟
هل ورثت ابنتها الضحكة أو ورثت قسوة بيت لوماه وأبواب وجوههم المغلقة؟»، هذا السؤال لا يحمل فقط حنين الأب إلى ابنته، بل يحمل خوفه الأعمق: أن يكون الجيل التالي قد ورث القسوة بدلاً من الضحكة، وأن يكون الفراغ الذي تركه قد ملأته الحياة بما هو أقسى منه.
الإنسان في مهب التاريخ
وما يمنح هذا العمل قيمته النقدية الحقيقية هو قدرته على تحويل المحلي إلى كوني، إذ تغدو مسقط بِحاراتها وأزقتها مسرحاً لأسئلة إنسانية لا تنتهي، فالصراع بين الجوع والشبع، وبين الدم والذهب، ليس صراعاً عُمانياً خالصاً، بل هو صراع كل مجتمع يقف على عتبة التحول ويتساءل بصمت، ماذا يتبقى من الإنسان حين تتشعب الطرق ولا تلتقي؟

