في تاريخ الطب لحظات يُعاد عندها تشكيل مفهوم المهنة وحدودها، ويأتي كتاب «الحاوي» لأبي بكر الرازي، في مقدمة هذه اللحظات، فالكتاب ليس عملاً تجميعياً أو مختصراً للتراث الطبي، بل مشروع علمي استغرق عمر صاحبه، سجّل فيه ملاحظاته السريرية ومحاكماته العقلية، حتى غدا مرآةً دقيقة لتطوّر الطب التجريبي في الحضارة العربية الإسلامية.
ومع أن الرازي عاش في القرن الثالث الهجري، فإن نبرة النص تكاد تثير دهشة القارئ المعاصر، بما تحمله من روح البحث والاختبار.. ومن جرأة طبيب يَعرض الرأي ويقابله بالدليل، ويراجع تجربته دون خوفٍ من الاعتراف بالخطأ.
ما كتاب الحاوي؟
الحاوي موسوعة طبية ضخمة، جمع فيها الطبيب العالمي أبوبكر الرازي خلاصة خبرته الممتدة في بيمارستانات الرَيّ وبغداد، فهو هنا لا ينتقل من موضوع إلى آخر، على طريقة الكتب المدرسية، بل يسجّل حالات مرضية حقيقية،.
ويشرح تطوّرها، ويقارن بين أقوال السابقين ومشاهداته المباشرة، بهذا المعنى، لتمثل موسوعة الحاوي إحدى أوائل النماذج المكتملة لـ «الطب السريري القائم على الملاحظة والتدوين، لا على النقل ولا على سلطة الأسماء الكبيرة». فتضمّن الكتاب آلاف الملاحظات السريرية، حول أمراض رأى مصابيها وعالجهم بنفسه، تلك الملاحظات سجلها في بيمارستانات الري وبغداد.
أولاً: تشخيص الأمراض وتتبّع مسارها:
يقدّم الرازي أوصافاً دقيقة للحمّيات، وأمراض الصدر، واضطرابات الهضم، والعلل العصبية. ويتميّز أسلوبه بتحديد تدرّج الأعراض يوماً بيوم، في منهجية تشبه ما يُعرف اليوم بالتوثيق السريري.
ثانياً: التمييز بين المتشابه من العلل:
من أبرز إنجازاته تفريقه العلمي بين الحصبة والجدري، وهو تمييز أحدث نقلة في فهم الأمراض الوبائية، واعتمد عليه الأطباء في أوروبا، بعد ترجمة الكتاب إلى اللاتينية.
ثالثاً: العلاجات والأدوية:
يضمّ «الحاوي» خبرة واسعة في العقاقير والأعشاب والمراهم. ولا يكتفي الرازي بالوصف، بل يورد نتائج استخدامه لكل دواء، مبيّناً ما نجح وما أخفق، في نزعة نقدية نادرة في ذلك العصر.
رابعاً: الجراحة والعظام والكسور:
يقدّم الكتاب في هذا الباب تفاصيل عن معالجة الجروح والتورمات والخراجات، وتجبير الكسور، وإدارة الالتهابات، مع وصف أدوات وطرائق كانت متقدمة، مقارنة بما عرفته مدارس الطب السابقة.
دقّة في وصف الأمراض
تميّز أبو بكر الرازي، في موسوعته الحاوي خصوصاً، في تفريقه بين الحصبة والجدري، ووصف التهابات الأعصاب، وحالات الجروح، مع تشخيص أمراض العيون. وفي كل هذا التمييز السريري سبق عصره.
أهمية الحاوي عبر القرون
تأتي أهمية كتاب الحاوي في العصور اللاحقة، من منهجه قبل محتواه، فالمسار الذي اتخذه الرازي من الملاحظة إلى التجريب، إلى المقارنة، جعل من الحاوي مرجعاً عالمياً لقرون.
وقد تُرجم في القرن الثالث عشر الميلادي من العربية إلى اللاتينية، من خلال جيرارد الكريموني، الذي درس في مدرسة الترجمة في الأندلس الإسلامية، عام 1497 م، وأصبح أساساً لتدريس الطب في جامعات أوروبا وغيرها حتى القرن السابع عشر، وتصبح هذه الترجمة شاهدة على العالم الإسلامي في ذروة قدرته على الابتكار، ومصدراً لتغذية الطب الأوروبي لاحقاً.
الرازي حياة طبيب عبقري
وُلد أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في الريّ (قرب طهران) عام 865 م، وكانت ضمن الإمبراطورية العباسية، وتلقّى علومه الأولى فيها، قبل أن ينتقل إلى عاصمة الخلافة العباسية بغداد، حيث اشتهر طبيباً ورئيساً لأحد أهم بيمارستاناتها، ثم عاد إلى الريّ، ليتولى إدارة البيمارستان فيها.
وظل يمارس الطب والبحث والتأليف حتى وفاته عام 925 م، وبين الميلاد والرحيل ترك الرازي إرثاً لا يزال حاضراً في تاريخ الطب، يتقدمّه كتاب الحاوي، الذي يشهد على عقلٍ عاشقٍ للمعرفة، متجرد من التقليد، ومفتوح على التجربة واليقين.
قراءة المخطوط
كتابه الموسوعي الحاوي بنسخته الأصلية، ضخم جداً، ويتجاوز عشرة آلاف صفحة، ومناسب للباحثين، وللكتّاب الذين يريدون استلهام الوعي الطبي القديم، وللمهتمين بتاريخ الأفكار العلمية.
ومن أراد قراءة الحاوي اليوم، فهناك كتاب الحاوي مطبوع ومحقق من الباحث محمد محمد إسماعيل، من دار الكتب العلمية في بيروت، على شكل مجلد بوحدات وأجزاء، وطبعة أخرى محققة من هيثم خليفة، في سبع مجلدات، طبعت في بيروت، منشورة في مؤسسة برهان العالم.
لا توجد مخطوطة أصلية واحدة لكتاب الحاوي للرازي، إذ لم تعد هناك نسخة كاملة منه، وأقدم مخطوطة جزئية باقية، والأقدم حتى الآن، هي التي تعود بتاريخها إلى عام 1094 م، في الولايات المتحدة الأمريكية، بولاية ميريلاند، بالمكتبة الوطنية للطب، وهي من أقدم النسخ الطبية المكتوبة باللغة العربية، كما توجد نسخة في مكتبة بودلي (بودليان) بجامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة.
الكتاب مرآة لتطوّر الطب التجريبي في الحضارة العربية الإسلامية
تضمّن آلاف الملاحظات السريرية حول أمراض متنوعة
فرّق علمياً بين الحصبة والجدري وقدّم تفاصيل عن معالجة الجروح والتورمات
دشّن منهج الطب الحديث وكان دليل الطب العملي قبل ألف عام
المصادر:
قراءة كتاب الحاوي المطبوع في لبنان
للباحث والمحقق محمد محمد إسماعيل.
الاطلاع على كتاب الحاوي في الطب
على موقع مكتبة قطر الوطنية الرقمية.