الثقافة والإبداع في دبي.. نهج حياة مستدام وقصص غنية بالتنوع

مشهد دبي الإبداعي.. قصة بطلها التفرّد
مشهد دبي الإبداعي.. قصة بطلها التفرّد

يتشكل المشهد الثقافي في دبي عبر رؤية تتعامل مع الإبداع بوصفه ممارسة يومية متجددة تصنع عبر الاستمرارية.

وتقاس بعمق أثرها، لا بزخم حضورها، وتتجاوز الثقافة في دبي مفهوم الحدث لتلامس مفهوم البناء طويل الأمد، وبين المبادرات المتواصلة، والمؤسسات الداعمة، والفعاليات النوعية يتبلور نموذج ثقافي يسعى إلى ترسيخ الوعي وتحويل الثقافة من مناسبة عابرة إلى سلوك اجتماعي دائم.

«البيان» استطلعت آراء مجموعة مسؤولات وكاتبات في الصدد، حيث أكدن أن الثقافة والإبداع في دبي غديا نمطي حياة وركيزتين أساسيتين في المجتمع.

أكدت الباحثة والكاتبة، الدكتورة رفيعة غباش، مؤسسة متحف المرأة في دبي، أن الحديث عن نجاح الثقافة في تشكيل وعي الإنسان وسلوكه اليومي يستدعي أولاً الاتفاق على تعريف واضح للثقافة، وأن «تشكيل وعي الإنسان حلم كبير، ليس في دبي أو الإمارات فقط، بل في منطقة الخليج كلها».

وأوضحت أن الثقافة ليست مفهوماً طارئاً، بل متجذرة في التاريخ العربي منذ الشعر والحكاية والرواية الشفاهية، وأن معناها يرتبط بالفهم، ما يفرض تحديد المقصود بها عند تناولها إعلامياً.

وتابعت: «لا يمكن أن يوجد مجتمع بلا ثقافة»، لافتة إلى أن الأجيال السابقة امتلكت أشكالها الثقافية الخاصة القائمة على اللغة والقصيدة والحكايات والتربية الدينية، فيما تعددت وسائل نشر الثقافة خلال العقود الأخيرة مع بروز جيل من الكتاب والفنانين واهتمام المدارس بالفنون، ما أسهم في تنشئة أجيال أكثر إدراكاً لأدوات الثقافة.

واستطردت د.رفيعة غباش: إن الفعاليات الثقافية اليوم لم تعد مرتبطة بالحدث فقط، بل هناك تنوع في الأنشطة والمنتديات، مع اختلاف دوافع الجمهور بين الواجب الاجتماعي والشغف الحقيقي.

وقالت: «بالنسبة لي أصبحت الثقافة جزءاً من الغذاء الذي يحتاج إليه عقلي»، معتبرة أن استمرار الإقبال على الأنشطة الثقافية مؤشر إيجابي رغم تحديات وسائل التواصل الاجتماعي.

وترى غباش أن الوعي لا تصنعه المنصات وحدها، بل يرتبط برغبة الإنسان في القراءة والانفتاح على الآخر، مشيرة إلى أن أعداد الزوار تبقى مؤشراً مهماً لكنها ليست المعيار الوحيد، لأن الأثر العميق يصعب قياسه رقمياً.

واختتمت بتأكيد سعيها عبر مبادراتها لترسيخ حضور الثقافة ممارسة يومية، مشيرة إلى أن تحويلها من مناسبة إلى سلوك مستدام يظل مشروعاً مستمراً يحتاج إلى وعي فردي وتراكم مجتمعي طويل الأمد.

أشارت شيماء راشد السويدي، المدير التنفيذي لقطاع الفنون والتصميم والآداب في هيئة الثقافة والفنون بدبي، إلى أن الثقافة في دبي لم تعد نشاطاً موسمياً أو مرتبطة بالمناسبات، بل أصبحت جزءاً من نمط حياة الأفراد اليومية، حاضرة في سياقات عديدة، على رأسها: القراءة والموسيقى والفنون والتصميم وتفاعل الناس مع محيطهم، ما يبرز تحولها إلى سلوك مجتمعي مستدام.

وقالت: «تمثل الثقافة ركيزة أساسية في المجتمع، تعبر عن هويته وتعكس تطلعات أفراده»، وبينت أن الدراسات الدورية واستطلاعات الرأي أظهرت ارتفاع مستوى وعي المجتمع بدور الثقافة وارتباطه بها، من خلال المشاركة في الأنشطة الثقافية وتبني الممارسات الإبداعية في الحياة اليومية، ما يعكس نجاح الجهود في ترسيخ الثقافة جزءاً أساسياً من تجربة العيش في دبي.

وأكدت السويدي أن نجاح المعارض والأحداث الثقافية لا يقاس بحجم الإقبال الجماهيري فقط، بل بقدرتها على إحداث أثر معرفي وجمالي مستدام، وإلهام المجتمع وتحفيزه على التفكير والتفاعل والإبداع.

وأضافت: «نحرص في دبي للثقافة على تصميم فعاليات ومعارض فنية وإبداعية مبتكرة ترتكز على دعم المواهب والمسؤولية الثقافية وتمكين المشاركة المجتمعية وتنمية الاقتصاد الإبداعي، لضمان وصول الثقافة إلى مختلف فئات المجتمع وتحويلها إلى تجربة يومية متجددة».

حضور نوعي

أكدت بينيديتا غيون، المديرة التنفيذية لـ«آرت دبي»، أن ثقافة دبي اكتسبت حضوراً متزايداً عبر الفعاليات الكبرى، وأن المعارض الفنية والبيناليات والافتتاحات والمهرجانات التي يشكل «آرت دبي» جزءاً من منظومتها المتنامية تخلق لحظات مركزة تولد الوعي الثقافي وتجذب الاهتمام الدولي، وتفتح المجال أمام جماهير جديدة للتفاعل مع الفن.

وأشارت بينيديتا غيون إلى أن أهمية هذه الفعاليات في مدينة سريعة الحركة والتجدد تكمن في قدرتها على جمع الناس حول تجربة مشتركة، لكنها في الوقت نفسه ليست المحرك الوحيد للوعي الثقافي.

«آرت دبي».. معرض يرسم خريطة تطور الفنون العالمية
«آرت دبي».. معرض يرسم خريطة تطور الفنون العالمية

وأوضحت أن هذا الوعي يمتد على مدى العام مستنداً إلى بنية تحتية ثقافية رسختها دبي تدريجياً عبر التكليفات طويلة الأمد والدعم المؤسسي ومنصات التطوير المهني التي أعادت صياغة طرق فهم الفن ومناقشته وتقديره.

وأضافت أن مناطق إبداعية مثل «السركال أفنيو» والمنطقة الإبداعية في القوز أسهمت في دمج المعارض والاستوديوهات والأعمال الإبداعية ضمن النسيج الحضري اليومي.

فيما تؤدي مؤسسات مثل «مركز جميل للفنون» دوراً محورياً في تعزيز التفاعل المستدام من خلال برامجها المستمرة طوال العام. كما بينت أن معالم ثقافية بارزة مثل «دبي أوبرا» و«متحف المستقبل» تعكس مكانة الثقافة كأولوية مدنية.

وأوضحت أن منظومة المعارض في دبي تعكس استمرارية واضحة، مستشهدة بمساحات مثل «ذا ثيرد لاين» التي شاركت لأول مرة في «آرت دبي» عام 2007 وواصلت حضورها على مدى 20 دورة. وقالت بينيديتا غيون:

«آرت دبي» يلعب دوراً كبيراً في بناء وعي ثقافي طويل الأمد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور المدينة نفسها، فدبي أصبحت مدينة عالمية تستقطب مبدعين من مختلف أنحاء العالم اختاروا العيش والعمل فيها، ما جعل تنوع المجتمعات والرؤى جزءاً أساسياً من هوية المعرض منذ تأسيسه عام 2007.

وأكدت أن «آرت دبي» حرص منذ تأسيسه على أن يكون معرضاً يغذي الفضول ويخلق لقاءات بين فنانين ومعارض وجماهير ربما لم تكن لتلتقي لولا هذا الإطار، وأن النجاح الحقيقي يتحقق عند التقاء الوصول بالتفاعل، مع السعي لتنمية الجمهور ليس فقط من حيث العدد بل من حيث الفهم أيضاً، وبناء مجتمع ثقافي يتطور بمرور الوقت. ولفتت إلى ان أثر «آرت دبي» اليوم يتجاوز حدود الحدث نفسه، إذ تستمر النقاشات ويتحول الفن إلى لغة تستخدمها المدينة لفهم ذاتها وتشكيل ملامحها المستقبلية.