المسرح والذكاء الاصطناعي.. حضور مؤجل وتأثير محدود

المسرح لا يزال ميداناً إبداعياً عصياً على الذكاء الاصطناعي وإفرازاته
المسرح لا يزال ميداناً إبداعياً عصياً على الذكاء الاصطناعي وإفرازاته

يشهد العالم طفرة غير مسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، انعكست آثارها بوضوح على مختلف الفنون والصناعات الإبداعية، وفي مقدمتها السينما والتلفزيون.

ومع هذا التمدد السريع، يثور التساؤل حول موقع المسرح من هذه التحولات الرقمية، وهل يمكن أن يتأثر بالقدر نفسه، أم أن طبيعته الخاصة تجعله أقل عرضة لهذا التأثير؟

المسرح، بوصفه فناً حياً يقوم على المواجهة المباشرة بين الممثل والجمهور، يختلف جوهرياً عن الفنون المسجلة أو المعتمدة على الصورة الرقمية؛ فهو يستند إلى حضور إنساني لحظي، وتفاعل آنٍ لا يمكن استنساخه أو إعادة إنتاجه بالطريقة ذاتها. ومن هنا تبدو معادلة الذكاء الاصطناعي داخل هذا الفضاء أكثر تعقيداً مما هي عليه في السينما أو الدراما التلفزيونية.

رغم أن بعض التقنيات الحديثة بدأت تتسلل إلى العروض المسرحية، سواء عبر المؤثرات البصرية أو الشاشات الخلفية أو تقنيات الهولوجرام، فإن السؤال لا يزال مطروحاً:

هل يمكن أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً حقيقياً في اللغة المسرحية، أم يظل دوره محصوراً في الإطار التقني المساعد دون المساس بجوهر العرض الحي؟ وفي هذا السياق استطلعت «البيان» آراء عدد من النقاد حول مدى تأثر المسرح بالذكاء الاصطناعي، وإمكانية أن يشكل خطراً على هذا الفن العريق، أو أن يتحول إلى أداة داعمة تسهم في تطويره وتجديد أدواته.

لا بديل

يقول الناقد أحمد سعدالدين إن الذكاء الاصطناعي دخل بقوة في صناعة السينما، سواء على مستوى كتابة السيناريو أو المونتاج أو خلق الشخصيات المتخيلة، مضيفاً أن المسرح حتى الآن لا يزال يعتمد على الخشبة التقليدية بوصفها فضاء أساسياً للعرض، وليس على الشاشات الرقمية كبديل كامل.

ويضيف في تصريح لـ«البيان»: إن الهولوجرام، وإن كان تقنية متقدمة، فإنه لا يُعد ذكاءً اصطناعياً بالمعنى الدقيق، موضحاً أن الجمهور قد يتقبله في حفل غنائي، لكن تقديم عرض مسرحي كامل بهذه التقنية لا يزال بعيداً عن التطور الحقيقي للغة المسرحية.

ويوضح سعدالدين أن المسرح من أقل الفنون تأثراً بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أنه يمكن للتقنيات الحديثة أن تنتج أفلاماً أو مسلسلات كاملة مستقبلاً، لكن لا يمكنها أن تخلق ممثلاً من لحم ودم يقف أمام الجمهور ويتفاعل معه بشكل حي.

ويؤكد أن «جوهر المسرح قائم على التفاعل المباشر، وهذه الخصوصية تحميه من خطر الاستبدال الكامل بالذكاء الاصطناعي.

من جانبها، تقول الناقدة فايزة هنداوي إن المسرح لا يواجه خطراً حقيقياً من الذكاء الاصطناعي، على عكس السينما التي يمكن أن تعتمد عليه في جوانب متعددة من الصناعة.

وتضيف : إن طبيعة المسرح الحية تجعل من الصعب استبدال العنصر البشري فيه، موضحة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إعادة إنتاج اللحظة الإنسانية ذاتها بين الممثل والمتلقي.

وتوضح هنداوي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة للمسرحيين، لا سيما في ما يتعلق بتوفير الوقت للكتاب خلال مراحل إعداد النصوص، أو في تطوير عناصر بصرية مرافقة للعرض، مثل الجرافيكس أو تصميم الخلفيات الرقمية، مشددة على أن الدمج بين المسرح والفنون الأخرى عبر الشاشات أو المؤثرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد يفتح آفاقاً جديدة دون أن يمس جوهر الفن.

وتخلص هنداوي في تصريح لـ«البيان» أن المسرح سيظل فناً إنسانياً خالصاً، مهما تطورت التكنولوجيا، لأن روحه تكمن في الحضور الحي والتفاعل المباشر، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة للتطوير لا تهديداً للوجود، إذا ما أحسن توظيفه في خدمة الإبداع المسرحي لا بديلاً عنه.