«قبلة شمس» إبداعات «شارقية» تتحدى الفناء

معارض وفعاليات متنوعة تنظمها المؤسسة تحتفي بالفن والجمال
معارض وفعاليات متنوعة تنظمها المؤسسة تحتفي بالفن والجمال

بين وهج الصحراء وهمس الذاكرة، تتشكل في الشارقة حكاية بصرية تتقاطع فيها الأزمنة وتتناسل الأسئلة. ففي رحاب مؤسسة الشارقة للفنون لا تُعرض الأعمال بوصفها أشياء معلّقة على الجدران، بل كائنات نابضة تختبر علاقتنا بالهوية والوقت والزوال.

عهد العمودي
عهد العمودي

هنا، تمتد «قبلة شمس» للفنانة عهد العمودي كوميضٍ يعيد تشكيل ملامح الذاكرة الخليجية في مواجهة إيقاع العصر الرقمي المتسارع، ففي معرضها لا تقدم العمودي مجرد أعمال فنية.

بل تفتح نافذة على فضاء سحري يقع في المنطقة الفاصلة بين الذاكرة الجمعية الخليجية وسرعة العصر الرقمي، والمعرض هو محاكاة بصرية لبيئة تلفحها الشمس، حيث لا تكتفي «قبلة الشمس» بمنح الدفء، بل تعيد صياغة الأشكال وتذيب الحدود بين الواقع المتخيل والحاضر المعيش.

وفي عملها «اللي ما يعرف الصقر يشويه»، تستلهم العمودي المثل الشعبي لتعبّر عن عمق الجهل بقيمة الأشياء. ونجد أنفسنا أمام فيديو تركيبي يفكك رقصة «الخبيتي» الحجازية.

حيث يتحول المحارب القديم بسلاحه إلى مؤدٍ يرتدي أزياء مزينة بصور الصقور. هنا، لا تكتمل الحركة؛ الجسد يبقى معلقاً في لحظة الحسم، متأرجحاً بين الصعود والهبوط دون استقرار.

إنها استعارة بليغة لثبات الهوية في عالم دائم التغير، حيث يثير المؤدون رمالاً تترك آثاراً مؤقتة، سرعان ما تتلاشى، لتؤكد فلسفة الزوال التي تخيم على العمل.

تكدس الطموح

وينتقل بنا المعرض إلى عمل «بدون لف ودوران»، حيث نجد أكواماً هائلة من سيارات الشحن الصغيرة (ألعاب الأطفال) المتكدسة في زاوية الغرفة، يقابلها فيديو لشاحنة حقيقية تسير في الصحراء. ويجسد هذا العمل النزعة الاستهلاكية والتنموية المتسارعة.

فتلك الشاحنات التي تبدو خاملة وعبثية في كومتها، هي في الحقيقة نصب تذكاري لمخلفات التقدم، وسؤال مفتوح حول مصير هذه الحركة الدؤوبة التي تعود دائماً إلى نقطة انطلاقها في دائرة مغلقة.

لحظة عابرة

وفي لوحات «جرة»، تحوّل العمودي لقطات من فيديوهات متداولة إلى فن تشكيلي رفيع. ونرى آثار الإطارات على الرمال، ويداً تمسح السطح تهيئه لآثار جديدة.

وهذا العمل هو طقس من البناء والمحو؛ إذ تتحول المادة الرقمية العابرة إلى مادة بصرية ثابتة على القماش. إنها محاولة لتثبيت الزمن المتسارع، ومنح الخصوصية لتفاصيل يومية قد تبدو تافهة، لكنها تشكل جوهر الثقافة المعاصرة.

الصيد العظيم

أما في عمل «الصيد العظيم»، فتنسلخ مصائد الحشرات الضوئية عن وظيفتها الأصلية لتتحول إلى كائنات تتنفس ضوءاً وصوتاً.

وفي هذا العمل، ثمة حوار ميكانيكي يدور بين مصيدتين، تبادُل دائري بين الملاحظة والسرد، وكأن الفنانة تؤكد أن الأدوات التي نستخدمها للسيطرة على الطبيعة قد تتحول هي نفسها إلى موضوع للتأمل الجمالي، والذاكرة التي لا تُنسى.

روح ساخرة

وهكذا يشكّل معرض «قبلة شمس» قراءة ذكية لروح الواقع، حيث تمتزج الصقور بالخوارزميات، والرمال بإطارات السيارات، والرقص الشعبي بالشاشات. وخلال هذه الإبداعات، لا تكتفي عهد العمودي برصد الواقع فحسب، بل تعيد صياغته بروح ساخرة وحساسة في آن واحد، جاعلةً من المعرض مساحة للتأمل، يُحتفى فيها بالآثار واللحظات التي تسبق الزوال.