دبي.. منصة حوار رحبة تمزج قافية الشعر بإبداع الريشة

 دبي تستعيد سِيَر الشعراء عبر مبادراتها الثقافية ومعارضها الفنية
دبي تستعيد سِيَر الشعراء عبر مبادراتها الثقافية ومعارضها الفنية

في دبي، حيث تتقاطع الأزمنة وتتجاور الفنون، لا تبقى القصيدة حبيسة الديوان، ولا يظل الشاعر سطراً في كتاب التاريخ، بل ينهض من جديد على سطح اللوحة، ويتنفس عبر اللون والخط والضوء.

هنا، تتحول الذاكرة الشعرية العربية إلى مادة بصرية نابضة، تستعاد فيها سِيَر الشعراء لا بوصفها ماضياً منقضياً، بل حضور جمالي متجدد، يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والخلود والمعنى.

تخوض دبي، عبر مبادراتها الثقافية ومعارضها الفنية، تجربة إبداعية لافتة في إحياء سيرة الشعراء العرب من خلال الفن التشكيلي، في حوار مفتوح بين الكلمة والريشة، وبين الإيقاع الشعري والتكوين البصري.

وأكد الشاعر الإماراتي عبدالله الهدية، في تصريح لـ«البيان»، ضرورة كسر القوالب التقليدية للأمسيات الشعرية، داعياً إلى تبني مفهوم «الأمسية الفنية الشاملة» التي تدمج بين القصيدة والموسيقى والفن التشكيلي في إطار إبداعي واحد.

وفي حديثه عن قدرة الشعر على محاكاة الفنون الأخرى، أوضح الهدية أن الشعر يتمتع بمرونة عالية تتيح له التناغم مع مختلف الفنون بكل أريحية، مشيراً إلى أن المشهد الثقافي أخيراً بدأ يشهد تحولاً ملموساً من خلال أمسيات تجمع بين الشاعر والرسام وعازف الآلات الشرقية كالعود والقانون، وهو ما لاقى ترحيباً واسعاً من الجمهور المتعطش إلى كل ما هو غير مألوف في عالم الإبهار الذي نعيشه اليوم.

وأكد الفنان التشكيلي الإماراتي خليل عبدالواحد الأهمية البالغة للتداخل بين عوالم الأدب والفن التشكيلي، معتبراً أن نجاح العمل الفني يقاس أحياناً بمدى قدرته على استحضار القصص الإنسانية والموروث الثقافي داخل الإطار الفني.

وأشاد عبدالواحد بتجربة الفنان العراقي محمود شوبّر الذي استحضر شخصيتي الشاعرين الجاهلي عنترة بن شداد، والعباسي أبي الطيب المتنبي، من خلال لوحات تشكيلية شارك بها في معرضين فنيين بدبي، واصفاً إياها بالنموذج الحي لهذا التمازج؛ حيث لا تقتصر لوحاته على التقنية والجمالية البصرية فحسب، بل تمتاز بقدرة فائقة على سرد القصص.

وأوضح أن هذا التوظيف للعناصر الأدبية يسهم في تعزيز الهوية الوطنية والثقافية، ويفتح آفاقاً جديدة للجمهور الفني لاستكشاف أدبياتنا وقصصنا من منظور بصري حديث يجمع بين عبق التراث ومعاصرة الحداثة، مستعرضاً تجربته الخاصة بهذا الصدد خلال مشاركته في معرض الكتاب بأبوظبي قبل سنوات، عبر فعالية ترتكز على استلهام عمل فني من كتاب معين.

وأكدت الشاعرة الإماراتية نجاة الظاهري أهمية الرؤية التكاملية التي تجمع بين مختلف أشكال الفنون الإنسانية، مشيرة إلى أن الإبداع لا يمكن حصره في قوالب منفصلة، بل هو حالة من التمازج المستمر، موضحة أن الشعر يمثل الفن الأكبر الذي استطاع عبر العصور أن ينهل من كل الروافد المحيطة به، بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وصولاً إلى الفنون البصرية والسمعية.

ورأت الظاهري أن العلاقة بين القصيدة والفن التشكيلي ليست مجرد علاقة عابرة، بل هي شراكة ملهمة، مضيفة: «مثلما يعد الشعر ملهماً للفن، فإن الفن بدوره يعد ملهماً أصيلاً للشعر».

واستشهدت في حديثها بوجود قصائد تاريخية ومعاصرة كُتبت خصوصاً لوصف لوحات فنية أو تحية لفنانين معينين، ما يؤكد عمق هذا التداخل الذي يشمل أيضاً الموسيقى التي ترتبط بالشعر برباط وثيق وأزلي، مشددة على ضرورة أن يعمل المجتمع الثقافي من شعراء، وفنانين، وموسيقيين، ككيان واحد متجانس بدلاً من العمل في جزر معزولة.

وأثنت في هذا الصدد على المبادرات التي تجمع هذه الأطياف، مثل المعرض الذي أقيم في دبي بمناسبة ذكرى مئوية الشاعر الإماراتي سلطان بن علي بن عبدالله العويس، واصفة إياه بالخطوة السليمة التي تجسد وحدة الجهود الإبداعية في عمل فني واحد.

جمال متكامل

وأشارت الفنانة التشكيلية الإماراتية فاطمة الحمادي إلى أن ارتباط الشعر بالفن يصنع جمالاً خلاباً يعبّر عما بداخل الفنان والشاعر بشكل متوازٍ، ليخرج العمل في النهاية كتكوين لوني وحروفي مبهر، موضحة أن «الشعر فن والرسم فن»، وأنه عندما يلتقيان ينشأ جمال متكامل يمتع المشاهد.

وتطرقت إلى الحديث عن تجربتها الفنية خلال مشاركتها في معرض مئوية الشاعر الراحل سلطان العويس الذي جاء تحية تقديرية لقامة أدبية أسست للحراك الثقافي في دبي، واستمر أثرها ممتداً عبر الأجيال، مبينة أنها اختارت عدم التقيّد ببيت شعر محدد أو شطر شعري معين من قصائد العويس، وبدلاً من ذلك استلهمت من مجمل أشعاره الحروف ذاتها، وجمعتها في لوحة فنية تعبر عن تقديرها لروح الشاعر ومسيرته التي شملت مختلف مجالات الحياة والجمال.

وأكد الفنان الفوتوغرافي علي الشريف أن للفنان مطلق الحرية في إعادة صياغة تصوره للنصوص الأدبية والشعرية بعيداً عن الفهم النمطي أو التقليدي، منوهاً بمعرض «عنترة في رحاب المعاصرة» الذي احتضنته أخيراً ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وقدّم من خلاله الفنان العراقي الدكتور محمود شوبّر تجربة إبداعية فريدة.

وأشار الشريف إلى أن عبقرية العمل تكمن في قدرة الفنان على مزج الواقعية بالفن التجريدي، واستحضار روح الشعر داخل اللوحات دون الحاجة إلى كتابة الأبيات.

ولفت إلى أن المعرض نجح في إيصال رسالة غير مباشرة إلى الفنانين والجمهور، مفادها أن القوة الجمالية للقصائد القديمة يمكن أن تُبعث من جديد من خلال رؤى فنية مبتكرة.

محاولة واعية

وكشف الفنان التشكيلي العراقي الدكتور محمود شوبّر عن كواليس تجربته الفنية الأخيرة التي استلهم فيها شخصية الفارس والشاعر الجاهلي عنترة بن شداد، موضحاً أن اختياره لعنترة لم يكن مجرد استحضار للتاريخ، بل هو محاولة واعية لكسر جمود الزمان والمكان داخل السطح البصري للوحة.

وبيّن شوبّر أن شخصية عنترة، التي تمتد جذورها لأكثر من 1700 عام، تمثل أداة مثالية لتجربة فنية تسعى لدمج الماضي بالحاضر، قائلاً: «الزمان والمكان هما من أهم الضواغط على تفكير الفنان عند بناء الإنشاء التصويري.

وعندما أوظف شخصية تاريخية بعمق عنترة في مواضيع راهنة، فإني أسعى لخلق واقع مفارق يجمع بين رمزية الفارس والشاعر وبين رؤيتي الخاصة كوني فناناً».

وحول العلاقة الجدلية بين الفن التشكيلي والأدب، استند شوبّر إلى «الهرم الجمالي» للفيلسوف الألماني جورج هيغل، معتبراً أن الشعر والرسم هما أجناس تعبيرية متطابقة في الجوهر وإن اختلفت الأدوات.